حجر سنمار وقوات سوريا الديمقراطية.. كيف فُككت هذه القوة الكبرى؟

إبراهيم اليوسف

 

تذكر الروايات العربية اسم سنمار بوصفه بنّاءً شيّد قصراً- اسمه الخورنق- للملك النعمان بن المنذر، ولسنا هنا بصدد الحديث عن جماليات القصر، بل في إطار ما روي عن سرّ بنائه.  إذ سارر هذا المعماري العملاق الملك عن وجود حجر واحد فيما إن تمت إزاحته- جانباً- حتى تسقط العمارة، دفعة واحدة. لم يكن هذا العبقري يتحدث عن لغز ولا عن سحر، بل صارح الملك، بكل براءة، وصدق، وعفوية، وهو يكشف عن سر خطير وخفي يعرفه هذا المهندس وحده.  لكن الملك لم يتعامل مع هذه المعلومة من منطلق اعتبارها تقنية، تفيده في وقت الحرب ومواجهة الأعداء، بل راح يعدها تهديداً، ما دفعه إلى التخلص من صاحبه، بدلاً من مكافأته، وتكريمه، على منجزه العظيم، فأمر بقتل المعماري، ليدفن معه هذا السر الذي تلقاه- بسوء نية وطوية- لا كما أراد المعماري العبقري منحه العمارة ومفتاحي: بوابتها وسرها، فانعكس تفاني الرجل في العمل عشرين سنة، ليستأثر بقصره، بروح أنانية، في ليلة الاحتفال بإنجازه النهائي!

 منذ ذلك الوقت صار اسم المعماري الفارسي* سنمار مرتبطاً بالنبل الذي يقابل بالغدر، وصار حجره مثالاً – للأداة- التي إن اختل مكانها، أو رفعت، انهار كل شيء. هذه القاعدة لا تخص البناء وحده، وإنما تنطبق حرفياً على أي منظومة حياتية، ومنها المنظومة العسكرية، لأن القوة لا تنهار دائماً ب” مجرد” ضربة كبرى، بل حين يُساء تقدير نقطة التوازن. إذ إن تحريك حجر شطرنج واحد على نحو خاطئ. موقع واحد خاطئ،. قرار واحد غير منضبط، توزيع سيء للقوة، كفيل بإسقاط هيكل كامل مهما بدا متماسكاً من الخارج.

بهذا المعنى- فقط -يمكن فهم ما جرى مع قوات سوريا الديمقراطية، إذ إن قوات- قسد- لم تكن جسماً هشاً، البتة، بل قوات جبارة، عملاقة، ذات إرادة فولاذية. كما أنها لم تكن ميليشيا مرتجلة، شأن الميليشيات التي بات النظام الجديد يعتمدها، لترسيخ سلطته.  لقد كانت- رغم كل ما نسجله عليها- قوة مدرّبة تدريباً قتالياً منضبطاً، مسلّحة تسليحاً كافياً، ولديها خبرة ميدانية تراكمت عبر سنوات مواجهة مفتوحة. وها هو سجلها يثبت قدرتها على الثبات وإدارة مواقعها، وحماية خطوطها. فهي وفق الحساب العسكري الصرف، كانت قوة صالحة للحسم لا لمحض الدفاع، فقط.  وبدهي، لو توافرت لقيادة قادتها جهة سياسية كردية، اعتمدت عليها، بدلاً أن تستخدم في إضعافها، وإنهاكها، بجدية لكان في إمكانها فرض معادلة مختلفة على مستوى البلاد كلها. مثل هذا التقدير الواقعي لا مبالغة فيه، لأنه حقيقة وواقع.

لهذا لم يكن الانهيار نتيجة ضعف ذاتي.

الخلل بدأ من موضع محدد، كما في عمارة سنمار. عشية الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية في حلب كان القادة يعرفون أن هذين الحيين نقطة اختناق. جيبان معزولان، طرق إمداد طويلة، عمق جغرافي معدوم. أي ضغط منسق يحول القوة الموجودة إلى وحدات محاصَرة. هذا التقييم كان معروفاً داخل القيادة نفسها. الخشية كانت موجودة. ومع ذلك لم يُتخذ قرار الانسحاب المنظم أو إعادة التموضع.

عند هذه النقطة تحوّل الموقع إلى حجر سنمار الخاص بقسد.

إبقاء وحدات أساسية داخل جيوب مغلقة لم يكن مدعاة للعقلانية، وإن كانت في إطار ترجمة طوباوية لما سميت ب” أخوة الشعوب” في مختبر فضفاض، هش، نتيجة خلل فكري ساذج، بنيوي. إذ من الطبيعي أن تفقد القوة المحاصَرة قدرتها على المناورة، متحولة إلى عبء لوجستي.  فقد تكرر، مع استمرار هذا التقدير الخاطئ النموذج نفسه في كل من: دير الزور والرقة وريف حلب. بسبب خطأ انتشار واسع لهذه القوات خارج البيئة الاجتماعية، ضمن مواقع متباعدة، وعلى امتداد خطوط طويلة، في ظل افتقاد الغطاء الشعبي، بل العمل ضمن وسط نهاز، أو معاد، أدى إلى أن تكون النتيجة كما تفرضها استراتيجية القواعد العسكرية دائماً: انعدام الإمداد، وانقطاع الاتصال، وشساعة الثغرات ثم وتتالي الانسحابات غير المنظمة، نتيجة الأوامر المتناقضة القادمة من سجن “إمرالي”:

سلموا أمركم إلى السلطة الجديد لتصدق نظريتي وأنجو!

هذا ليس سوء حظ. هذا أثر مباشر لقرار خاطئ، بعد سلسلة قرارات انتشار خاطئة، لم يؤخذ فيها رأي كردي، من أبناء المكان، من خارج المنظومة المتشكلة، على عجل، وفق تفاهمات مرحلية، لا أريد تشريحها.

لقد كان المطلوب من هذه الأداة المغامرة، عكس ذلك، تماماً.  لقد كان المطلوب منها تجميع القوات في كتلة واحدة داخل مناطق الثقل، بالإضافة إلى: فرز العناصر- تسريح المخترقين- استعادة السلاح والآليات ممن لا يوثق بهم. بناء جبهة داخلية متماسكة، وقبل ذلك المصالحة مع المختلف الكردي. الأكثر حرصاً على استراتيجة وجوده- خارج  شرط منفعية تأسيسها وتشكلها، فيما إذا كان تحركها غير تبعي لجهة أو جهات لا تريد الخير للكرد، ما أدى بها إلى امتلاك زمام السلطة الوهمية والاستحواذ والتكسب، بدلاً من العمل منذ لحظة وصولها إلى- المناطق الكردية- للإجهاز على ذويها عبر أبنائها، والإحلال مكانهم، وتنفيرهم، وإذلالهم. الإحلال مكان أبناء المكان، من قبل المتنطعة الدخيلة لقيادة مكان ليس لها، ولا أعني القوات المكانية. هذه بدهيات، وإجراءات معيارية كان من المفترض قراءتها، من قبلها. من قبل أية قوة تريد خدمة شعبها، وشركائها، محافظة على صمودها وديمومتهم وجيرانهم، وكان واضحاً أمر” آنيَّةِ” موضوعة تفكك هذه القوات، نتيجة عدم استماع -الفئة المتسلطة على قيادتها- إلى ضمير أبناء المكان. أهل المكان، واستبدادها، وتغطرسها، هذا المصير الدرامي الذي أدى- في النهاية- إلى الإساءة إلى كل من في المركبة، والمجازفة بمصائرهم، في مغامرة خرقاء!

ثم جاء العامل الأخطر. أوامر متناقضة بين قنديل وقيادات ميدانية. وحدة تنسحب وأخرى تبقى. موقع يتقدم وآخر ينتظر. عناصر تُترك بلا إسناد. مجموعات تُدفع إلى أنفاق غير صالحة. المقاتل يُقيّد بدلاً من أن يتحرك. هنا لم تعد المشكلة في العدو، بل في إدارة القوة نفسها.

في هذه المرحلة لا يعود الحديث عن هزيمة ميدانية تقليدية. الهزيمة التقليدية تحدث عندما يُكسر الجيش في مواجهة مباشرة. ما حدث هنا مختلف. التفكك جاء من الداخل. القرارات أضعفت الهيكل قبل أن يضغط الخصم.

هكذا يكتمل المشهد. قوة جاهزة للحسم. نقطة تمركز خاطئة تحولت إلى مركز استنزاف. انتشار غير محسوب. إهمال لتنقية الداخل. أوامر متضاربة. ثقة تتآكل. ثم انهيار متدرج.

تماماً كما في قصة سنمار. البناء لم يسقط لأن الجدران ضعيفة. سقط لأن الحجر الحامل اختل.

وفي حرم هذه المحطة الفاصلة لا يبقى السؤال في إطاره العاطفي ولا الخطابي. بل يتحول إلى سؤال مسؤولية عاجل، وملح، ومباشر، ألا وهو: لم إن صدق المعماري سنمار في حديثه عن موقع الحجر وضعه في موقع الخطر وهو يعرف عاقبته؟ لماذا قوبل جميله بنكران الجميل؟ من الذي تجاهل التقدير العسكري؟ من الذي بدّد القوة قبل أن تصل المعركة الحاسمة؟

بروح مسؤولة وصريحة ومباشرة، ضمن ما أرومه هنا، أفتح باب المحاكمة الأخلاقية، في موقع قد لا تجدي فيه الأخلاق، ولا كل الفضائل، أطلق العبارة في كل اتجاه:

من خان قوات قسد؟

إنه السؤال

الأمر ليس قسد وحدها-هنا- بل نحن جميعاً: أبناء المكونات كلها…

*هناك من ينسبه إلى جنسيات أخرى؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سرحان عيسى   منذ نشوء الحركة السياسية الكردية في سوريا، ارتبط مسارها بالنضال السلمي والسياسي من أجل نيل الحقوق المشروعة للشعب الكردي. فقد تبنّت الأحزاب الكردية، على اختلاف توجهاتها، برامج سياسية متقاربة في جوهرها، ركزت على المطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية للشعب الكردي في سوريا، بوصفها حقوقاً قومية مشروعة ضمن إطار الدولة السورية. ولم يكن هذا التوجه وليد ظرف طارئ،…

ريزان شيخموس ليست كل اللحظات في تاريخ الشعوب عابرة، فبعضها يتحول إلى منعطفات كبرى تعيد تشكيل الوعي الجمعي وترسم ملامح المستقبل. وما شهده شعبنا في روجافاي كردستان بعد الهجوم العسكري الذي تعرّض له من قبل سلطة دمشق لم يكن مجرد موجة تضامن، بل كان لحظة تاريخية نادرة أعلن فيها الكرد، في كل مكان، أن وحدة المصير أقوى من الجغرافيا، وأن…

زاهد العلواني – القامشلي عجيب أمور غريب قضية، في مشهد لا يخلو من الغرابة، خلال اسبوع ومتابعتي لمقالات الكتاب الكرد والسياسيين ، حقيقة أصبت بدوامة ، لم استوعب التقلبات والتغيير المفاجئ في مقالاتهم، بل من السياسية التي لادين لها، يخرج علينا بعض الكتّاب والسياسيين الكرد، يكتبون مقالاتهم بالعربية والكتاب الكُرد الأتراك بالتركية ، انتقادات حادة حداً ضد سياسات إدارة “قسد”…

شادي حاجي اليوم، ونحن أمام استحقاق تفاوضي مصيري مع السلطة المؤقتة في دمشق، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ معقّد: وفدٌ عن الإدارة الذاتية وقوات «قسد» عقد مع السلطة المؤقتة في دمشق أكثر من اتفاقٍ أمني وإداري، في حين لم تُمنَح الفرصة للوفد الكردي السياسي المشترك للقيام بدوره. وإلى جانب ذلك، شارك وفدٌ من المجلس الوطني الكردي، الذي لبّى دعوة وزير…