بين الحذر المشروع وضرورة اليقظة السياسية: قراءة في المرحلة المقبلة؟

سليمان سليمان 

 

ليس من باب التشاؤم أن نتحدث عن مرحلة دقيقة تمر بها القضية الكوردستانية، كما أن التفاؤل غير المشروط لا يبدو مقاربة واقعية في ظل تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي. ما يفرض نفسه اليوم هو مقاربة عقلانية، تقوم على الحذر الواعي وقراءة المتغيرات بعيون مفتوحة، بعيدًا عن الانفعال، ولكن أيضًا بعيدًا عن الاطمئنان الزائد.

في الآونة الأخيرة، تتداول أوساط سياسية وإعلامية ما يوصف بتسريبات أو معلومات غير مؤكدة، تتحدث عن أدوار متجددة لبعض الشخصيات والدوائر التي كانت، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزءًا من مآسٍ كبرى تعرض لها الشعب الكوردي، ولا سيما في روج آفا كوردستان. ورغم أن كثيرًا من هذه المعطيات قد لا يكون دقيقًا أو مثبتًا، إلا أن التجارب السابقة تُعلمنا أن تجاهل الإشارات الأولى، مهما بدت ضبابية، قد يكون خطأً استراتيجيًا، فالتاريخ السياسي للمنطقة يثبت، في أكثر من محطة، أن «لا دخان بلا نار»

ولا ينحصر القلق هنا في جغرافيا بعينها، بل يتعلق بإمكانية امتداد الضغوط أو المخططات إلى عموم الأجزاء الكوردستانية، عبر أدوات ناعمة أحيانًا، وخبيثة في أحيان أخرى، من خلال أطراف إقليمية ودولية كان لبعضها دور مباشر في المجازر الأخيرة بحق الكورد. وغالبًا ما تقوم هذه الأدوات على ضرب التماسك الداخلي، وإثارة الخلافات، واستثمار نقاط الضعف داخل البيت الكوردي نفسه، لأن استهداف الداخل، في مثل هذه الحالات، يكون أقل كلفة على الخصوم وأكثر فتكًا من المواجهة المباشرة.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى أعلى درجات اليقظة السياسية من قبل الحركة الكوردية بكل أطيافها، وإلى تحصين الساحة الداخلية من أي محاولات لزرع الفتنة أو دفع الأطراف نحو صدامات أو خطوات انفرادية غير محسوبة. فالخطر، في كثير من الأحيان، لا يأتي من بوابة الهجوم المباشر فقط، بل من بوابة التفكك الداخلي حين يدار الصراع داخل الصف الواحد بدل توجيهه لحماية المصالح الوطنية العليا.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية تاريخية على عاتق مراكز القرار الكوردستاني الأساسية، وفي مقدمتها هولير، بما تمثله من ثقل سياسي ورمزي في المعادلة الكوردستانية، وبالدور المحوري الذي يضطلع به الرئيس مسعود البارزاني، بما يمتلكه من خبرة سياسية طويلة في إدارة المنعطفات المصيرية والتعامل مع التعقيدات والمؤامرات الإقليمية، إلى جانب دور باقي القيادات والمؤسسات الكوردستانية.

إن المرحلة الراهنة لا تتطلب مجرد تنسيق ظرفي أو تفاهمات آنية، بل تحتاج إلى إطار مرجعي كوردستاني جامع، يكون مرجعًا سياسيًا وأخلاقيًا تناقش في إطاره القرارات المصيرية، ويحتكم إليه قبل الإقدام على أي خطوة قد تمس مستقبل الشعب الكوردي في أي جزء من كوردستان. فالقضية لم تعد شأنًا محليًا أو حزبيًا، بل قضية وجود ومصير مشترك، ولا يمكن مقاربة هذا النوع من القضايا المصيرية بمنطق إدارة الأزمات اليومية، بل بمنطق التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، القائم على قراءة توازنات القوى الإقليمية والدولية ومصالحها المتغيرة.

وقد أكدت التجربة الكوردستانية، قديمًا وحديثًا، أن أنماط الاستهداف التي تتسلل إلى الداخل، وتعمل على تفكيك البنية السياسية والاجتماعية من داخلها، هي الأخطر والأكثر كلفة على مستقبل القضية، لأن التفكك يفتح الأبواب أمام كوارث لا تُحمد عقباها.

ومن هنا، تصبح الوحدة الكوردستانية، بوصفها خيارًا أخلاقيًا وسياسيًا في آنٍ واحد، مسؤولية جماعية لا تحتمل المساومة ولا يجوز التفريط بها تحت أي ذريعة، ولا سيما في هذه المرحلة الحساسة التي تتشابك فيها الضغوط الإقليمية مع هشاشة الواقع الداخلي في أكثر من ساحة كوردستانية.

ورغم كل التحديات، يبقى الرهان الأساسي على وعي الشعب الكوردي، وعلى القيادات الصادقة التي أثبتت، عبر عقود من التضحيات، قدرتها على حماية المكتسبات ومنع تكرار المآسي. كما يبقى الدرس الأوضح، الذي لا ينبغي نسيانه، أن الاعتماد على الوعود الخارجية وحدها كان دائمًا محفوفًا بالمخاطر، وأن الكورد، في لحظات الشدة، لم يكن لهم سند حقيقي سوى وحدتهم الداخلية وإرادتهم المشتركة.

وفي النهاية احب أن اكرر إن المرحلة المقبلة، بما تحمله من تعقيد وغموض، تتطلب وضوحًا في الرؤية، وتماسكًا في الموقف، وجرأة في تحمل المسؤولية التاريخية. فهي مرحلة لا تحتمل الحسابات الضيقة، ولا تسمح بالمغامرات السياسية أو الخطوات الانفرادية غير المحسوبة، لأن ثمن الخطأ هذه المرة قد يكون باهظًا على الجميع.

إن تغليب المصلحة الكوردستانية العليا على المصالح الشخصية والحزبية، والابتعاد عن الدعوات المشبوهة مهما بدت مغرية أو مبررة، والالتفاف حول مرجعية كوردستانية جامعة، ليست شعارات ظرفية، بل شروط أساسية لحماية الشعب الكوردي من انتكاسات جديدة، ومن مخططات قد تحاك في الظل قبل أن تظهر إلى العلن.

وفي زمن كثرت فيه الخيبات، يبقى الخيار الأكثر أمانًا هو تعزيز الوحدة الداخلية، وصون اللحمة الشعبية الكوردستانية، والاستعداد لمواجهة التحديات بعقل بارد وإرادة مشتركة، لأن التاريخ علمنا، مرارًا، أن الكورد حين توحدوا صمدوا، وحين تفرقوا دفعوا أثمانًا قاسية لا يجوز تكرارها.

فالمعركة لم تنتهي بعد والقادم قد يكون أصعب ؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي اليوم، ونحن أمام استحقاق تفاوضي مصيري مع السلطة المؤقتة في دمشق، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ معقّد: وفدٌ عن الإدارة الذاتية وقوات «قسد» عقد مع السلطة المؤقتة في دمشق أكثر من اتفاقٍ أمني وإداري، في حين لم تُمنَح الفرصة للوفد الكردي السياسي المشترك للقيام بدوره. وإلى جانب ذلك، شارك وفدٌ من المجلس الوطني الكردي، الذي لبّى دعوة وزير…

د. محمود عباس الحلقة السادسة من سلسلة تحليلية لم يعد العالم يُدار اليوم بالخرائط وحدها، ولا تُعاد صياغة الشرق الأوسط بالجيوش فقط، بل بخوارزميات الأسواق، وذكاء البيانات، ومنطق السيطرة الناعمة التي تسبق القوّة وتُرافقها. ففي زمن الطفرة التكنولوجية المتسارعة، لم تعد الدولة العميقة الأميركية بنية جامدة تستند حصريًا إلى ترسانة عسكرية، بل تحوّلت إلى منظومة عصرية هجينة، تمزج بين أدوات…

آخين ولات سأتناول هنا التعريب كمثالٍ للدراسة والتحليل، عن هذه المنظومة القمعية كوني أنحدر من غربي كردستان وعانيت شخصياً من كل ما سآتي على ذكره تالياً. لم يكن التعريب في غربي كردستان مجرد سياسةٍ لغوية، بل كان مشروعاً لإعادة صياغة الإنسان والمكان معاً. فاللغة، في يد السلطة، تحولت إلى أداةٍ لإعادة تشكيل الوعي، وإلى معيارٍ للانتماء، وإلى شرطٍ للوجود القانوني…

عبد الرحمن حبش   منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011 كان الشعب الكوردي جزءًا أصيلًا من الحراك الوطني السوري ودفع ثمنًا باهظًا في سبيل الحرية والكرامة والعدالة. لم يكن الكورد على هامش الصراع، بل كانوا في قلبه سياسيًا ونضاليًا حيث امتلأت سجون النظام بعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين الكورد وسقط مئات الشهداء في ساحات النضال دفاعًا عن الكرامة الإنسانية وحق…