عبد الرحمن حبش
منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011 كان الشعب الكوردي جزءًا أصيلًا من الحراك الوطني السوري ودفع ثمنًا باهظًا في سبيل الحرية والكرامة والعدالة. لم يكن الكورد على هامش الصراع، بل كانوا في قلبه سياسيًا ونضاليًا حيث امتلأت سجون النظام بعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين الكورد وسقط مئات الشهداء في ساحات النضال دفاعًا عن الكرامة الإنسانية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ضمن وطن ديمقراطي.
لقد انطلقت الحركة السياسية الكوردية في سوريا منذ بداياتها من برنامج سياسي واضح يستند إلى جملة من الثوابت الوطنية أبرزها: الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي بوصفه شعبًا أصيلًا يعيش على أرضه التاريخية وضمان حقوقه القومية والسياسية وبناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية أو اتحادية تقوم على الشراكة الحقيقية والاعتراف المتبادل بين جميع مكوناتها.
هذه المطالب لم تكن يومًا انفصالية كما حاولت الأنظمة المتعاقبة تصويرها بل كانت تعبيرًا طبيعيًا عن مظلومية تاريخية تراكمت عبر عقود من الإقصاء والتجريد من الجنسية والتغيير الديمغرافي ومنع اللغة والثقافة الكوردية وتحويل مناطقهم إلى ساحات أمنية مغلقة.
إلا أن المشهد السياسي الكوردي اليوم وبعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا وسقوط نظام الأسد يطرح أسئلة مقلقة حول مسار الحركة السياسية الكوردية وحدود تراجع خطابها السياسي. فبدل أن تشكل هذه اللحظة التاريخية فرصة لإعادة تثبيت الحقوق القومية في أي حل سياسي قادم نلاحظ انزلاقًا تدريجيًا نحو اختزال القضية الكوردية في مطالب إدارية محدودة أو ما يُسوَّق على أنه حقوق مواطنة شكلية لا تمس جوهر المشكلة ولا تعالج جذورها.
إن حصر المطالب الكوردية اليوم في إدارة محلية ضمن محافظة الحسكة أو في صيغ حكم إداري منقوصة يعيد إنتاج سياسات الإقصاء القديمة بأدوات جديدة. فالإدارة من دون اعتراف سياسي والتمثيل من دون شراكة دستورية ليست إلا شكلًا آخر من أشكال الاستعباد السياسي حيث يُطلب من الشعب الكوردي إدارة شؤونه اليومية دون أن يُعترف به كشريك حقيقي في تقرير مستقبل البلاد. وهنا يبرز السؤال الجوهري ماذا تغيّر؟ ولماذا تنازلت الحركة السياسية الكوردية أو جزء منها، عن مطالبها الأساسية التي ناضلت من أجلها لعقود؟
يمكن رصد عدة عوامل تقف خلف هذا التراجع. أولها الانقسام الكوردي–الكوردي الذي أضعف الموقف التفاوضي وأفقد الحركة السياسية قدرتها على فرض رؤية موحدة. وثانيها الارتهان المتزايد لمحاور إقليمية ودولية حيث باتت المصالح الآنية والتحالفات المؤقتة تطغى على الثوابت الوطنية. وثالثها غياب المراجعة النقدية الداخلية وتحول بعض القوى السياسية إلى إدارة أمر واقع بدل أن تكون حركة تحرر وطني.
إضافة إلى ذلك فإن الضغوط الإقليمية خاصة من الدول التي ترى في أي اعتراف بالحقوق الكوردية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي لعبت دورًا أساسيًا في دفع بعض الأطراف الكوردية إلى تخفيض سقف مطالبها تحت شعار الواقعية السياسية. غير أن الواقعية حين تتحول إلى تفريط بالحقوق الأساسية تصبح شكلًا من أشكال الهزيمة المؤجلة.
إن القضية الكوردية في سوريا ليست قضية خدمات أو إدارة محلية بل قضية شعب وهوية وحقوق سياسية. وأي حل لا ينطلق من الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي وضمان حقه في الشراكة الحقيقية ضمن دولة ديمقراطية اتحادية سيبقى حلًا هشًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة.
اليوم وأكثر من أي وقت مضى تحتاج الحركة السياسية الكوردية إلى إعادة تعريف دورها والعودة إلى برنامجها التاريخي بعيدًا عن الحسابات الضيقة. فالتضحيات التي قدمها الشعب الكوردي من معتقلين وشهداء ومهجرين لم تكن من أجل سلطة مؤقتة أو إدارة منقوصة بل من أجل الحرية والكرامة والاعتراف.
إن استعادة جوهر القضية الكوردية ليست خيارًا سياسيًا بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية. ومن دون ذلك، ستبقى الحركة السياسية الكوردية تدور في حلقة مفرغة فيما يدفع الشعب مرة أخرى ثمن التنازلات باسم الواقعية.
ناضلنا من أجل الاعتراف… فكيف انتهينا إلى حقوق شكلية؟ تضحيات دماء الشهداء ليست إدارة محلية