كردستان يوسف *
تمر سوريا بأحد أقسى اختباراتها الوجودية في مجال التعليم، فما كان قطاعاً حيوياً لبناء الأمة وإعداد الأجيال، تحول إلى مرآة تعكس عمق الانقسامات الجغرافية والسياسية واللغوية التي خلقتها سنوات الصراع. لم يعد الحديث عن التعليم مجرد حديث عن مناهج وكتب مدرسية، بل تحول إلى قضية معقدة تشتبك مع مسائل السيادة والهوية والاعتراف ومستقبل البلاد، فالواقع التعليمي واقع مجزأ، تتحكم فيه عدة سلطات، لكل منها منهاجها وسياساتها ورؤيتها، مما خلق حالة من اللاتوازن تهدد بتكريس الشرذمة والانقسام على المدى الطويل.
يبرز هذا التعدد بشكل حاد على مستوى اللغة والتعليم، حيث نشهد وجود مناهج باللغة العربية تختلف فيما بينها من منطقة لأخرى، ومناهج باللغة الكردية في مناطق الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا (روج آفا)، وهذا التعدد اللغوي والثقافي، الذي كان من الممكن أن يكون ثراءً في ظل دولة مستقرة تحترم تنوعها، تحول في سياق الصراع إلى عنصر إشكالي أساسي، فالمناهج العربية لا تحترم اي خصوصية ثقافية للمكون الكردي، إلى جانب المناهج في مناطق مثل الجزيرة وكوباني وعفرين التي تهدف إلى إحياء اللغة الكردية كمادة تعليمية داعمة للثقافة الكردية.
ولعل أكثر جوانب الأزمة إيلاماً هو مصير الطلاب في مناطق مثل الجزيرة ومناطق الإدارة الذاتية بشكل عام، فهؤلاء الطلاب يدرسون في مؤسسات لا تحظى باعتراف الحكومة المركزية في دمشق، مما يطرح سؤالاً مصيرياً حول قيمة شهاداتهم ومستقبلهم الأكاديمي والمهني، فجامعات مثل جامعة روج آفا في القامشلي وكوباني تخرج مئات الطلاب سنوياً في تخصصات متنوعة، ولكن ما مصير شهاداتهم غير المعترف بها رسمياً، لا من قبل دمشق ولا من قبل غالبية المجتمع الدولي؟ هذا الواقع يحكم على جيل كامل بعدم القدرة على متابعة دراساته العليا خارج منطقته، أو التنافس في سوق عمل تشترط معادلة الشهادات، مما يولّد شعوراً عميقاً بالإحباط والظلم، وهنا يبرز التساؤل المشروع حول مصير الطلاب الذين توقفوا عن الدراسة في مدارس الإدارة الذاتية، والسنوات التي قضوها في التعليم في ظل غياب الاعتراف، وهو سؤال يمس جوهر حقهم في التعليم والعمل، وخاصة ان هذه المعاناة تستمر بشكل أعمق مع المتغيرات السريعة التي تشهدها سوريا، و في غياب أي حديث رسمي واضح حول مستقبل مدارس الإدارة الذاتية وطلابها في جميع المراحل التعليمية، فقد توقفت العديد من المدارس عن الدوام، وكذلك الجامعات، قبيل انتهاء الفصل الدراسي الأول، وذلك قبيل الاتفاق الموقع في 30 كانون الثاني والأوضاع الأمنية المتقلبة التي أدت إلى حركة نزوح كبيرة، وتحول الكثير من المدارس إلى مراكز إيواء مؤقتة للنازحين، مما حرم الأطفال من فصولهم الدراسية، كما أن إغلاق الجامعات والمعاهد، بسبب الظروف الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية، يضيف عقبة أخرى أمام مسيرة الطلاب التعليمية، فالتعليم لا يعاني فقط من أزمة انتظام ودوام، بل يعاني أساساً من أزمة اعتراف من قبل وزارة التربية والتعليم العالي في الجمهورية السورية، والتي وقعت الاتفاق الملزم بدمج القوات الأمنية و العسكرية دون الحديث عن أي آليات دمج لإنظمة التعليم ،مما يجعل استمرار العملية التعليمية تحدياً حقيقياً ومصدر قلق دائم لأهالي الطلاب على مستقبل أبنائهم وبناتهم.
فلماذا يغيب موضوع التعليم بهذه الخطورة عن طاولة الحوارات السياسية والمفاوضات؟ ولماذا لا تحتل قضية الاعتراف بالشهادات ووقف تجزئة المنظومة التربوية أولوية في المسارات السياسية السورية ؟ يبدو أن التعامل مع ملف التعليم يتم من خلال عدسة الصراع السياسي والعسكري، حيث يستخدم كأداة للضغط أو كمسألة تفاوضية ثانوية، في حين أنه في الحقيقة قضية اساسية تتعلق بمستقبل سوريا كلها، وإهمال هذا الملف يعني التغاضي عن مخاطر خلق أجيال متعلمة في كيانات منعزلة ثقافياً وأكاديمياً، مما يعقد أي جهود مستقبلية للمصالحة الدائمة وإعادة بناء النسيج الاجتماعي وتماسكه.
رغم قتامة هذا المشهد، تبقى هناك آمال ورؤى يمكن البناء عليها، فأي حل حقيقي يجب أن ينطلق من الاعتراف بأن التعليم حق أساسي لكل طفل سوري، بغض النظر عن مكان إقامته أو انتمائه أو لغته، وهذا يتطلب دمج العملية التعليمية وإخراج قضية التعليم عن الجدال السياسي، والعمل على إيجاد صيغ تقنية وإجرائية تسمح بضمان جودة التعليم واستمراريته في جميع المناطق.
ويمكن الانطلاق من تطوير الإطار القانوني للمرسوم رقم 13 الذي اعترف باللغة الكردية كلغة وطنية ثقافية، والسعي نحو جعلها لغة رسمية، مما يسهل التفكير في آليات وسيطة. كتشكيل لجان تربوية مشتركة من خبراء لوضع أُطر عامة مشتركة للتعليم الأساسي تحافظ على الهوية الوطنية الجامعة مع الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي كحق، كما يمكن العمل على برامج لمعادلة الشهادات بشكل مرحلي، أو إنشاء هيئة مؤقتة للإشراف على جودة التعليم العالي في مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين، تمهيداً لإعادة دمج هذه المنظومة في إطار وطني، خاصة مع وجود اتفاقيات قد تمهد لتسوية سياسية شاملة.
إن إنقاذ التعليم في سوريا هو إنقاذ للمستقبل. جيل كامل ينظر إلى مستقبل ضبابي، وشهادات قد تتحول إلى أوراق لا قيمة لها. التحدي ليس تقنياً فحسب، بل هو في الأساس تحدي إرادة سياسية.
فهل توجد إرادة حقيقية لدى الأطراف السورية الفاعلة لوضع مصلحة الطالب السوري فوق كل الاعتبارات؟
الوقت يمر، وكل يوم يضيع من دون حل يقترب من حكم إعدام على مستقبل آلاف الشباب، ويعمق جراحاً ستحتاج عقوداً لمداواتها، والأمل الوحيد يكمن في رفع الصوت عالياً لتحويل التعليم من سلاح في الصراع إلى جسر للتفاهم، ومن ساحة للتجزئة إلى مشروع وطني جامع يبدأ من المدارس و الجامعات.
* كاتبة كردية- سوريا