المكان للهَلْوَسَة وحدَها

خالد جميل محمد

 

في ظلِّ هيمنة الحالة القطيعية المتوحشة المفزِعة الخَطِرة، وطغيان ضوضاء الشعاراتِ والزَّيفِ والتنكيل، وتشويش الحقائق، والاستخفاف بقوانين العقل والمنطق السليمين، وصخب التهويل، ومهارات الاستفزاز، وتكفير المختلِف، وفظاعة بهلوانيات المشي على حبال المزايدات باسم الدِّين أو المذهب، أو الطائفة، أو العشيرة، أو الوطن، أو القومية، أو الشعب، أو القضية، أو أخوّة الشعوب، لا مكانَ للتفكير الهادئ، لا مكانَ للمشاريع التي تخدم المجتمع والإنسان والبيئة والطبيعة والمدنية والحضارة والوطن والفكرَ القويم، لا مكانَ للإبداع الحقيقيِّ، لا مكان للإعلام الموضوعيّ الهادئ الرزين، لا مكانَ لصوت العقل والشخصية السَّوِيَّة، ولا مكانَ للاتِّزان…

في ظلِّ استمرار اللطميات واستفحال الشكوى الدائمة من الخيانات المتعاقبة والخذلان والغدر على مرّ التاريخ، دون الاعتراف بكوارث الأخطاء، مع انعدام التخطيط والتحليل والنقد الذاتيّ والتفكير السليم، ودون إفساح المجال للحكمة الناجمة عن عُصارة التجارب، لا مكانَ للمنطق والإدراك الحقيقي، بل المكانُ للهَلْوَسَة وحدَها؛ بصفة الهَلْوسة “تجربة إدراكية خاطئة تحدث في حالة اليقظة”، حيث يشعر صاحبها بأشياء أو أحداث غير موجودة في الواقع، لكنه يتوهّم وجودها.

وفي حالتنا، نحن – ضحايا الهَلْوَسة المُهَندَسَة المُصمَّمة وفق فلسفات عجيبة وغريبة، وتحت يافطات مزركشة بألوان العناد العبثي والإخفاقات المتكررة – تُفرَض هذه التجربة، تجربة الهلوسة، على الآخرين بالإكراه، وعليهم أن يقبلوها أيضاً باسم الدِّين، أو المذهب، أو الطائفة، أو العشيرة، أو الوطن أو القومية أو الشعب أو القضية، أو أخوّة الشعوب، دون نقاش.. ومَن يناقشْ فهو (خائن)، ومَن يعترض فهو (خائن)، ومن ينقد فهو (أعظم خائن) ودمه مهدور، وكرامته مهدورة، وسمعته مهدورة، ومهدَّدٌ بقطع رزقه ولسانه وكل سبل النجاح التي يتطلع إليها.

 

https://www.facebook.com/xalidcemil.muhemmed/posts/

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين اقامتي – البيروتية – الاختيارية – الاضطرارية ، التي ناهزت العشرة أعوام من بداية سبعينات القرن الماضي ، وحتى المغادرة ” الاضطرارية ” أيضا خريف عام ١٩٨٣ ، بعد الاجتياح الإسرائيلي ، ومحاصرة بيروت ، تلخصان نموذجا لحالة المناضل السياسي الكردي السوري – الضائع – في بحر تتلاطم فيه الأمواج من كل حدب وصوب في شرقنا المستبد ،…

إبراهيم اليوسف ما جرى تحت اسم انتخابات ما يسمى ب” مجلس الشعب” لا يشبه ولادة برلمان بقدر ما يشبه إعادة تدوير الاستبداد بأدوات أكثر ارتباكاً، إذ بدا السوري مرة أخرى خارج القاعة التي يُفترض أنها خُلقت لأجله، بينما جرى تصنيع مجلس بلا ناخبين حقيقيين، ضمن آلية أقرب إلى التعيين المقنّع منها إلى أي معنى انتخابي، الأمر الذي حوّل ما قيل…

متابعة موقع (ولاتي مه) أثار نقل جثمان شيخ الشهداء الشيخ محمد معشوق الخزنوي إلى مرقد جديد في مقبرة الشهداء بحي قدور بك بمدينة قامشلو، جدلا واسعا داخل عائلته وبين المهتمين بالشأن الكردي العام، بعد صدور بيانين متعارضين من أبناء الشيخ الراحل حول عملية النقل وظروفها. وكان الشيخ مرشد الخزنوي قد أعلن، عبر منشور رسمي، عن نقل جثمان والده إلى “مرقده…

ألياس رمو   منذ عام ٢٠١٥ أعلنت معاداة حزب العمال الكردستاني قناعة مني بان هذا الحزب خياراته السياسية خاطئة بالمطلق او لاينتمي للقضية الكردية . توصلت لهذه القناعة عندما جرت الانتخابات البرلمانية في تركيا عام ٢٠١٥ ولم يحصل حزب العدالة والتنمية على الأغلبية البرلمانية التي تسمح للحزب بحكم البلاد . حينها حصل حزب hdp الكردي على ٨١ نائب . واصبحت…