ترامب وإدارة الفوضى الشرق الأوسط كساحة اختبار

د. محمود عباس

الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية..

بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول.

الولايات المتحدة، بوصفها إمبراطورية مهيمنة، أدارت العالم لعقود عبر مزيج من المساعدات، والتحالفات، والمواجهة الانتقائية مع الأنظمة الاستبدادية. غير أن هذه المقاربة بدأت بالتآكل مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بوصفه الممثل الأكثر صراحة لدولة الشركات العملاقة والخوارزميات العابرة للقارات، حيث تُقاس السياسة بالأرقام، ويُقاس النفوذ بحجم الأرباح. في هذا السياق، تفاخر ترامب بأنه جمع خلال عام واحد ما يقارب 18 تريليون دولار لصالح الولايات المتحدة، متغاضيًا عن الدمار غير المرئي الذي يخلّفه كل “تريليون” من هذا النوع: تضخم متصاعد، ارتفاع حاد في الأسعار، تعطيل التجارة العالمية، وتوسيع دوائر الكراهية بين الدول والشعوب.

صحيح أن هذه الاستثمارات توفّر فرص عمل، لكنها في المقابل تُضعف القدرة الشرائية، وتعمّق الفجوة الطبقية، وتحوّل الاقتصاد العالمي إلى ساحة ابتزاز دائم. وهنا يتجلّى الصراع داخل الولايات المتحدة نفسها: بين دولة عميقة كلاسيكية ما تزال تتحدث بلغة القيم والتحالفات، ودولة عميقة عصرية يقودها ترامب بلغة السوق والصفقات. الحزب الجمهوري، رغم أغلبيته المؤيدة لترامب، يعيش هذا الانقسام بوضوح بين تيار شعبوي يقدّس الزعيم، وآخر مؤسسي يخشى تفكيك النظام الدولي الذي صاغ الهيمنة الأميركية. أما الديمقراطيون، فيقفون في موقع الحذر، لا لأنهم يملكون بديلًا أخلاقيًا متماسكًا، بل لأنهم يدركون حجم الخراب الذي قد يُحدثه الانفلات الاقتصادي الترامبي.

في الشرق الأوسط، يتباهى ترامب بأنه صنع “سلامًا لم تعرفه المنطقة منذ ألف عام”، لكنه سلام بُني على حساب الشعوب وحقوقها، لا على العدالة والاستقرار الحقيقي. فهو من أطلق يد أردوغان ضد الشعب الكوردي، وغضّ الطرف عن دعم أخطر تنظيم متطرّف لتولي الحكم في سوريا، هيئة تحرير الشام، حتى وإن جاء ذلك بديلاً عن نظام الأسد البعثي المجرم. والسؤال الجوهري هنا لا يمكن القفز فوقه: هل يمكن لجماعة تؤمن بالجهاد الدائم، وتتخذ الإرهاب منهجًا، أن تتحول فجأة إلى كيان سياسي شرعي لمجرد رفع صفة الإرهاب عنها بقرار سياسي ودعاية إعلامية؟

في السياق ذاته، لم يتردد ترامب في تجاهل تسلّط أردوغان على الشعب الكوردي، تحت ذريعة حزب العمال الكوردستاني، في وقت كانت فيه واشنطن نفسها تُجري حوارات غير معلنة في مسارات أخرى. حزب أُدرج على قوائم الإرهاب منذ عقود، لا بسبب فعل إرهابي عابر، بل بسبب فكرة وهوية ومطالب شعبٍ عانى قرنًا كاملًا من الإلغاء، والتدمير، والقتل على الهوية، وحرب لم تتوقف يومًا.

أما في غزة، فقد تفاخر ترامب بدوره في تمكين نتنياهو من فرض سيطرته تحت ذريعة حماس، متناسيًا، أو متغافلًا، أن هذه الحركة صُنعت أصلًا في سياق إقليمي ودولي لمواجهة منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى أداة بيد إيران، مثلها مثل حزب الله والحشد الشعبي وسائر أدوات الصراع بالوكالة في المنطقة.

دونالد ترامب، في هذا السياق، ليس رجل السلام الذي رُوّج له سعيًا إلى جائزة نوبل. وحين لم يحصل عليها، جرى تعويضه بجوائز “ترضية”، لا تكريمًا لإنجازاته، بل خشية من أن يذهب أبعد في تفكيك النظام الاقتصادي العالمي. وهو حين يزعم أنه لو كان في البيت الأبيض لما اندلعت الحرب الروسية–الأوكرانية، يتجاهل أن علاقته مع بوتين ساهمت في تقويض منظومة القيم الأوروبية، وسمحت بتغاضٍ دولي عن حروب أخرى، كالحرب الأذرية–الأرمنية، حيث لعب أردوغان دورًا فاضحًا في اقتطاع أراضٍ من أرمينيا، وسط صمت روسي–أميركي مريب.

وفوق ذلك كله، فرض ترامب على أوروبا شراء الغاز الأميركي بثلاثة أضعاف سعر الغاز الروسي، لا دفاعًا عن الحرية، بل تكريسًا صريحًا لاقتصاد الإكراه. وهنا تتكثف الصورة كاملة، سياسة تُدار بمنطق الصفقة، عالم يُدار بمنطق السوق، وقيم تُستهلك فورًا حين تعيق الربح.

وبرغم هذا المشهد القاتم، لم تُدرج القوى الكوردية ضمن هذه الفوضى المُدارة. فقد بقيت، وفي مقدمتها قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، خارج منطق الابتزاز والتوظيف، بوصفها شريكًا موثوقًا في معادلة الاستقرار، لا أداة في هندسة الفوضى. وهو ما يجعل حضورها أيضا يكاد يكون غير ثابت في أي قراءة واقعية لمستقبل سوريا والمنطقة، ويفتح الباب طبيعيًا للانتقال إلى السؤال الأهم، كيف تحوّل الكورد، كقضية في سوريا من جهة وفي الدول الأربعة المحتلة لكوردستان من جهة أخرى، من هامش في الصراع إلى نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها؟

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/12/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…