فرهاد حاجو السويد
بعد سقوط نظام الأسد و معه نظام حزب البعث الشوفيني بدأ الشعب السوري بكل أطيافه ، و من ضمنه الشعب الكردي في سوريا، يتأمل خيراً بأن معاناته الذي دام قرابة سبعة عقود قد انتهت. ولكن و مع الأسف نشوة الإنتصار تلك لم تدم طويلاً. فلم تمر سوى بضعة أشهر على إستلام بعض الفصائل العسكرية للحكم في دمشق حتى بدأت الأحداث تتجه نحو ما لا يشتهيه الشعب السوري عامة و ما لم يتوقعه الشعب الكردي في سوريا بشكل خاص. و تفادياً للدخول في التفاصيل نشير هنا فقط إلى ما جرى في الساحل السوري و في محافظة السويداء بحق إخوتنا العلويين و الدروز. و مع الصدام المسلح بين قسد و بين ما يسمى ” بالجيش العربي السوري” بدأت ملامح التصعيد في الأزمة السورية تتضح لتشمل مناطق شمال و شرق الفرات أيضاً.
و وجد الشعب الكردي نفسه مرة أخرى في قلب صراع أكبر منه، تتنازعه المشاريع الإقليمية والدولية، وتُستثمر قضيته العادلة في بازار المصالح والصراعات الأيديولوجية. واليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب، بات من الضروري طرح سؤال مصيري: هل ما يجري في المناطق الكردية من صراع عسكري يخدم فعلاً القضية القومية الكردية، أم يزجّ بها في محرقة مشاريع لا علاقة لها بها؟
للجواب على هذا السؤال من الضروري أولاً التمييز، على المستوى الفكري والسياسي، بين التوجه القومي الذي يفترض أن يحكم عمل القوى الكردية السورية، كما هو حال المجلس الوطني الكردي، وبين التوجه الأيديولوجي العقائدي الذي يحكم مشروع حزب العمال الكردستاني وامتداداته في سوريا. فالتوجه القومي، في جوهره، ينطلق من واقع كرد سوريا، ومن مصالحهم المباشرة، ومن خصوصية موقعهم داخل الدولة السورية، ويضع في مقدمة أولوياته انتزاع الحقوق القومية ضمن سياق وطني واقعي، قابل للحياة والاستمرار. وهو توجه ، مهما اختلفنا مع تجلياته العملية، يفترض أن تكون بوصلته الأساسية هي الإنسان الكردي السوري، وأرضه، ومستقبله، واستقراره.
في المقابل، يقوم مشروع حزب العمال الكردستاني على أيديولوجيا مغلقة وعابرة للحدود، لا ترى في الجغرافيا السورية إلا ساحة من ساحات صراع أوسع، ولا تنظر إلى المجتمع الكردي المحلي بوصفه غاية بحد ذاته، بل كثيرًا ما يُختزل إلى أداة تعبئة، ورافعة بشرية، ووقود لمعركة لا يملك قرارها ولا يحدد توقيتها ولا أهدافها النهائية.
إن الفارق الجوهري هنا هو أن السياسة القومية تفترض أن الإنسان هو الغاية، بينما تفترض الأيديولوجيا المغلقة — في كثير من تجاربها التاريخية — أن الإنسان وسيلة في خدمة الفكرة. وبين هذين المنهجين، يكمن أحد أهم الأسئلة التي يجب على النخبة الكردية السورية اليوم أن تطرحها بشجاعة ومسؤولية:
أين موقعنا فيما يحصل؟
وقبل طرح السؤال يتحتم علينا جميعاً التخلص من طوق اللعنة التي نجح حزب العمال الكردستاني وضعه بكل حنكة حول رقابنا طيلة عدة عقود، و أجاد في استعماله على أعلى المستوايات كلما ضاقت به السبل و كلما وجد نفسه على حافة الإفلاس السياسي و العسكري. هذه الحنكة الذكية هي حنكة مكتسبة وراثياً من قائدهم عبدالله أوجآلان والتي تتمثل بكل بساطة في افتعال أوضاع كارثية يدفع بالشعب الكردي إلى شفيرالهاوية ثم يصرخ و يولول في طلب النجدة لإنقاذهم. و أمام هذا الوضع المفتعل لا يجد الإنسان الكردي الغيورمفراً من وضع طوق اللعنة تلك حول رقبته و الركض إلى حتفه تلبية لدعوة إخوته الأبطال المتمترسين داخل الخنادق في أرض المعركة.
و بتلك الوسيلة الذكية من قبل ذلك التيار الإيديولوجي المستنسخ من خليط من الإيديولوجيات التي عفا عليها الدهر، أقول بهذه الوسيلة تحولنا، نحن كرد سوريا إلى رهائن، مهمتنا الوظيفية لا تتعدى سوى خدمة تلك الشعارات الكبيرة والفضفاضة التي يرفعها هذا التيار، من قبيل “تحرير الشعوب” و”الأمة الديمقراطية” و ”حرية المرأة” و ”المحافظة على البيئة” وما شابه، و التي لا تتعدى عن كونها أدوات تعبئة عاطفية أكثر منها مشاريع سياسية قابلة للقياس أو التحقق، أو بوصفها أدوات تسويق تلعب دورها في عملية صقل الوجه لدى المجتمعات الأوروبية التي تجهل في أغلبية الأحيان الحقائق على الأرض.
ولكن أيستطيع أحد إنكار أن هذه التجربة الأوجآلانية مع كل تلك المحاولات البهلوانية خلال كل السنوات الماضية لم تجدي نفعاً بل إن الحقائق على الأرض أظهرت أن تلك المحاولات والشعارات لم تحمِ المجتمع الكردي من:
ـ لا من موجات النزوح و الهجرة الواسعة
ـ ولا من استنزاف الطاقات البشرية و الإقتصادية
ـ و لا من تحول مناطق كردية واسعة إلى ساحات صراع مفتوحة
بل على العكس، كثيرًا ما جرى توظيف معاناة الناس ونزوحهم وصمود من تبقى منهم في الخطاب الدعائي والسياسي، سواء لتبرير سياسات الأمر الواقع، أو لتغذية سرديات “الصمود والمقاومة”، بينما كانت الكلفة الحقيقية تُدفع من حياة الناس وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
يمرّ الشعب الكردي في سوريا بمرحلة مفصلية من تاريخه السياسي، حيث لم يعد التحدي محصورًا في انتزاع الحقوق من سلطة مركزية طالما أنكرتها، بل بات يتمثل أيضًا في طبيعة المشروع الذي يُفترض أن يحمل هذه القضية، وحدود ارتباطه بالمصلحة الكردية السورية الخالصة. لقد أفرزت سنوات الصراع واقعًا سياسيًا معقدًا، اختلطت فيه الشعارات القومية بالمشاريع الأيديولوجية، وتداخل فيه المحلي بالإقليمي، ما يجعل من الضروري اليوم فتح نقاش هادئ ومسؤول داخل البيت الكردي نفسه للتوصل إلى:
ـ اعتراف دستوري بالهوية القومية الكردية
ـ ضمان الحقوق الثقافية والسياسية
ـ شراكة حقيقية في الوطن السوري على أساس المواطنة والعدالة
وهذه الأهداف لا يمكن تحقيقها إلا من خلال مشروع سياسي كردي سوري مستقل في قراره، واضح في أولوياته، ومندمج في السياق الوطني السوري العام. في هذا الإطار، ورغم كل ما يمكن تسجيله من ملاحظات نقدية على أداء المجلس الوطني الكردي، فإنه يبقى إطارًا ينطلق، نظريًا على الأقل، من مرجعية كردية سورية، ويربط نضاله بسياق القضية الكردية داخل سوريا، لا بصراعات إقليمية عابرة للحدود كما تطرح من قبل ب.ك.ك من خلال قسد و PYD و الإدارة الذاتية التي تحمل في طياتها إشكالية سياسية عميقة تتجاوز البعد العسكري أو الإداري، وتتعلق أساسًا بمرجعية القرار السياسي وطبيعة المشروع الذي تمثله.
فمن الواضح أن قسد في هذا السياق تستند إلى بنية فكرية وتنظيمية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وهو ما يجعلنا أن نعتبر بحق أن مشروعها، شئنا أم أبينا، هو جزء لا يتجزأ من صراع إقليمي ذي أبعاد أيديولوجية وأمنية تتجاوز الإطار السوري.كما يحق لنا أيضاً أن نتسائل بصراحة ومسؤولية:
ـ إلى أي مدى قرار هذا المشروع سوري بالفعل؟
ـ وإلى أي حدّ تتطابق أولوياته مع المصلحة الاستراتيجية لكرد سوريا؟
فما نراه على أرض الواقع هو أن التوتر المتصاعد بين قسد والحكومة السورية لا يبدو، في جوهره، صراعًا من أجل إعادة تعريف الدولة السورية على أسس ديمقراطية حقيقية، بقدر ما هو تصادم بين مشروعين سلطويين، لكل منهما مقاربته الخاصة للسلطة والإدارة والهيمنة.
إن الخلط بين الدفاع عن الحقوق القومية، وبين الدفاع عن مشروع سياسي إيديولوجي بعينه، يهدد بـ:
ـ تقسيم الموقف الكردي
ـ إضعاف شرعية المطالب القومية
ـ وتحويل القضية الكردية في سوريا من قضية حقوق إلى ملف نزاع إقليمي معقّد.
ربما تكون اللحظة الراهنة من أكثر اللحظات التي تحتاج فيها الحركة السياسية الكردية في سوريا إلى:
ـ مراجعة هادئة وشجاعة للمسارات القائمة
ـ إعادة تعريف الأولويات على أساس المصلحة الكردية السورية أولًا
ـ السعي إلى بلورة مشروع سياسي جامع، ديمقراطي، واقعي، وقابل للحياة ضمن سوريا المستقبل
فالقضية الكردية لن تُحمى بالشعارات، ولا بالقوة وحدها، بل بوضوح الرؤية، واستقلالية القرار، وحسن قراءة موازين القوى، والتمسك بجوهر الحق دون الارتهان للمحاور.
والسؤال الذي يجب ألا يُهمل هو:
ما هي مصلحة الشعب الكردي في أن يكون طرفًا رئيسيًا أو وقودًا في صراع لا يضع حقوقه القومية في مركز أولوياته؟
التجربة التاريخية للكرد في سوريا والمنطقة تعلمنا أن دفع أثمان الصراعات الكبرى دون امتلاك قرارها كان دائمًا وصفة لخسارات استراتيجية، حتى عندما تتحقق مكاسب مرحلية. وأخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية عادلة هو اختزالها في حزب أو تنظيم أو أيديولوجيا.
فالقضية الكردية أوسع وأعمق وأبقى من أي إطار سياسي راهن، وهي ملك شعب بأكمله، بأجياله الحاضرة والقادمة. و القضية الكردية في سوريا هي قضية شعب يسعى إلى:
ـ الاعتراف بهويته القومية
ـ نيل حقوقه الثقافية والسياسية
ـ العيش بحرية وكرامة ضمن وطن يضمن الشراكة والعدالة
لقد آن الأوان لأن يسأل كل كردي سوري نفسه:
ـ هل المسار الذي يتشبث به التيار الإيديولوجي يخدم مستقبل أولادي؟
ـ هل يحمي وجودي؟
ـ أم يضعني في مواجهة مفتوحة مع الجميع؟
فالقضية الكردية قبل كل شيء هي أكبر من أي حزب، وأشرف من أي أيديولوجيا، وأبقى من أي مشروع عابر للحدود.
وحده المشروع القومي الديمقراطي السوري، القائم على الشراكة الحقيقية، والاعتراف المتبادل، والعمل السياسي الناضج، هو القادر على حماية الكرد وضمان مستقبلهم.
2026/1/30