رۆژآڤاي كوردستان: اليوم وغداً

سمكو عمر لعلي

لا أدري لماذا قادني الخاطر، في هذا المنعطف الحرج من تاريخ (رۆژآڤاي كوردستان) ، إلى استحضار كتاب الكاتب الكبير (عبدالرقيب يوسف) ، ذلك العمل الذي قدّمه إلى منظمة اليونسكو في سياقٍ نبيل هدفه الحفاظ على آثار كوردستان وذاكرتها المنسية. ففي مقدمته، لم يكن الكاتب يوثّق حجارةً صامتة أو قبوراً منسية فحسب، بل كان يفتح جرحاً تاريخياً عميقاً، ما زال ينزف حتى يومنا هذا.
تحدّث عبدالرقيب يوسف عن مفارقة موجعة في الذاكرة والتاريخ؛ عن قبور أولئك الذين قدموا إلى كوردستان غزاةً ومحتلين، فحُفظت قبورهم، وزُيّنت، ونُسبت إلى (أصحاب الرسول) ، وأُحيطت بهالة من القداسة والاحترام. وفي المقابل، جرى تشويه قبور المقاتلين الحقيقيين، أبناء الأرض، الذين دافعوا عن كرامتهم وأرضهم ووجودهم، فوُصموا بالكفر، وقُتلوا ظلماً، ثم لم يكتفِ التاريخ الرسمي بقتلهم، بل أمعن في إهانتهم حتى بعد الموت.
لقد رُميت قبورهم بالحجارة، لا مرة ولا مرتين، بل تحوّل ذلك الفعل الإجرامي إلى (عادة) ، حتى تراكمت الحجارة فوق قبورهم، فأصبحت كتلالٍ شاهدة على حقدٍ دفين، وعلى تزويرٍ متعمّد للحقائق. وما زالت تلك الشواهد قائمة إلى اليوم في منطقة سماقولية، بين هولير والسليمانية،في إقليم كوردستان العراق تنطق بصمتها، وتفضح رواية المنتصر، وتؤكد أن الحقيقة، وإن دُفنت، لا تموت. وقد وثّق الكاتب هذه الجريمة التاريخية في كتابه الشهير (كه‌مپێنا – 17 مليوني)، حيث كتبتُ مقدمتها بالكوردية. ليترك للأجيال القادمة مفاتيح الفهم وواجب السؤال.
ومن تلك الصفحات السوداء في الماضي، انتقل بي التفكير قسراً إلى الحاضر القريب، إلى إهانة قبور الشهداء في الطبقة، أولئك الذين دافعوا عن المدن العربية في الرقة ودير الزور وغيرها، ووقفوا سدّاً منيعاً في وجه الإرهاب دفاعاً عن الإنسان، لا عن قومية أو طائفة. ومع ذلك، لم يسلموا من التشويه، لا في حياتهم ولا في مماتهم.
ثم تمتد القصة، وتتشعّب، لتصل إلى شهداء الأنفاق، وإلى أولئك الذين غُيّبت أسماؤهم، وطمست تضحياتهم، وبقيت قبورهم – أو ما تبقّى منها – عرضةً للإهانة ذاتها: رميٌ بالحجارة، وتشويهٌ للذاكرة، وإعادة إنتاج لجرائم الماضي بأدوات الحاضر.
إن التاريخ، مهما طال الزمن، لا يُغلق دفاتره عبثاً. له صفحات سوداء وأخرى ناصعة، وهو يكتب، لا بالحبر وحده، بل بالدم، وبالظلم، وبصبر المقهورين. وما يجري اليوم في (رۆژآڤاي كوردستان) ليس معزولاً عن الأمس، بل هو امتدادٌ له، وتحذيرٌ صريح مما قد يحمله الغد، إن لم تُصن الذاكرة، ولم تُحترم تضحيات الشهداء، ولم يُعاد الاعتبار للحقيقة كما هي، لا كما يريدها المنتصرون.
(فرۆژآڤاي كوردستان) ، اليوم وغداً، ليست مجرد جغرافيا أو ساحة صراع، بل اختبارٌ أخلاقي للتاريخ نفسه: هل سينصف من دافعوا عن الأرض والكرامة؟
ومن كان سبباً لذهابهم الى المدن العربية والدفاع عنها ؟
أم سيُعاد رجمهم بالحجارة، مرةً أخرى، باسم الدين، أو السياسة، أو النسيان؟

هولير1/2/2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…