عدنان بدرالدين
يميل كثيرون إلى الاعتقاد بأن أي تصعيد أمريكي محتمل ضد إيران، أو حتى مواجهة عسكرية محدودة معها، لا بد أن يقود في النهاية إلى نهاية النظام القائم في طهران. ويُعاد إنتاج هذا الاعتقاد في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يقدّم إيران بوصفها مصدر الاضطراب الأساسي في الشرق الأوسط، ويفترض أن التخلص من نظامها يشكّل، بحد ذاته، خطوة في اتجاه الاستقرار.
غير أن النظر في سلوك القوى المعنية، لا في خطابها، يقود إلى رؤية مختلفة. فالأطراف الأكثر صدامًا مع إيران لا تبدو، في ممارستها الفعلية، معنية فعليًا بنهاية هذا النظام. في لحظات التصعيد، تتسع دائرة التهديدات والتصريحات الحادة، وتتزامن رسائل الضغط مع إشارات التهدئة، بينما يظل الحذر من دفع الأمور إلى نقطة يصعب التحكم في مآلاتها عنصرًا ثابتًا في هذا السلوك.
لا تنبع المخاوف السعودية والخليجية مثلا من مواجهة أمريكية – إيرانية محتملة من اعتبارات أمنية مباشرة فحسب، رغم أهميتها. فمسائل الصواريخ، والملاحة، وأسواق الطاقة حاضرة دائمًا في الحسابات الخليجية، لكنها لا تفسّر وحدها هذا القلق المتصاعد. ما يثير الحذر على نحو أعمق هو إدراك أن أي مواجهة، حتى لو وُصفت بالمحدودة أو المحسوبة، قد تفتح مسارات يصعب ضبطها سياسيًا وأمنيًا.
التجربة الإقليمية خلال السنوات الماضية رسّخت قناعة مفادها أن الصراعات الكبرى لا تُدار دائمًا وفق نيات أطرافها المعلنة، بل وفق آليات التفاعل التي تتشكل بعد انطلاقها. فالخليج، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الاقتصادية، يتلقى آثار أي تصعيد بين واشنطن وطهران سريعًا، سواء عبر استهداف غير مباشر، أو من خلال تذبذب أسواق الطاقة وما يرافقه من كلفة اقتصادية مباشرة، أو عبر استنزاف أمني طويل الأمد.
من هذا المنظور، لا يُنظر إلى الضربة المحتملة من زاوية حجمها العسكري، بل من زاوية إمكانية تحولها إلى مسار غير مرغوب فيه. الخشية لا تتعلق بالفعل الأول، بل بما قد يستدعيه من أفعال لاحقة، ومن ردود يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمداها. ولهذا تميل المقاربة الخليجية إلى الحذر الشديد من أي سيناريو يخرج الصراع من دائرة الضغط المحسوب إلى مساحة لا يمكن التحكم في اتجاهاتها.
علاوة على ما تقدّم، تؤدي إيران، في صيغتها السياسية والاقتصادية الراهنة، دوراً يتجاوز كونها خصماً إقليمياً. فهي تُشكّل – حتى حين لا يُستدعى اسمها صراحة – نموذجاً حاضرًا في المقارنة الضمنية: دولة غنية بالموارد، تعاني أزمة اقتصادية مزمنة، يحكمها نظام أيديولوجي صارم يواجه مجتمعاً ساخطاً، ويُدار عبر أدوات قسرية واضحة.
في المقابل، تُقدَّم دول الخليج كفضاءات للاستقرار النسبي والتنمية والرفاه، رغم الاختلالات البنيوية في توزيع الثروة، والقيود الشديدة على المشاركة السياسية. هذه المقارنة الضمنية لا تقوم على الثنائية التقليدية بين الحرية والاستبداد، بل على مفاضلة بين نمطين متمايزين من السلطوية التي تقمع الحريات العامة: أحدهما منهك اقتصادياً ومعرّض لتصعيد التوترات، والآخر قادر – حتى الآن – على إدارة الاستقرار واحتواء التحديات الداخلية.
بهذا، تعمل إيران، من حيث لا تُقصد غالباً، كمرآة سلبية في الفضاء الخليجي، تُخفف من حدّة الأسئلة حول طبيعة الحكم وحدود المشاركة، عبر إعادة ترتيب الأولويات من “كيف نُحكم؟” إلى “كيف نتجنب ما هو أسوأ؟”. وهكذا، لا تُلغى هذه الأسئلة، بل تُؤجَّل، ولا تُحسم، بل تُدار ضمن منطق المقارنة.
لا يكمن القلق الحقيقي، في الحسابات الخليجية والإقليمية، في احتمال أن تصبح إيران أقوى عسكريًا أو أكثر نفوذًا. فالقوة، مهما اتسعت، تبقى أمرًا يمكن التعامل معه وضبط آثاره ووضعه ضمن حدود معروفة. ما يثير الحذر على نحو أعمق هو احتمال أن تصبح إيران مختلفة، لا أقوى.
الاختلاف هنا لا يعني تحولًا جذريًا أو انتقالًا سريعًا إلى نموذج جديد، بل تغيّرًا تدريجيًا في طريقة عمل النظام، وفي علاقته بمجتمعه وبالعالم من حوله. إيران أقل اعتمادًا على الخطاب الأيديولوجي، وأكثر ميلًا إلى علاقات طبيعية مع محيطها، ستكون دولة أصعب في التعاطي معها بالأساليب التقليدية، وأقل قابلية لتقديمها بوصفها خطرًا ثابتًا لا يتغير.
القوة يمكن التعامل معها لأنها واضحة في مظاهرها، أما هذا النوع من الاختلاف فيربك الحسابات، لأنه يغيّر صورة الخصم نفسها. حين تتراجع حدّة الخطاب، ويخفّ التوتر الدائم، ويصبح السلوك الخارجي أكثر قابلية للتوقّع، تفقد كثير من السياسات القائمة مبرراتها، ويصبح من الصعب الاستمرار في التعامل مع إيران بالطريقة ذاتها. ولهذا يبدو النظام الإيراني الحالي، بكل صلابته وحدّته، أكثر سهولة في التعاطي معه من نظام قد يعيد تعريف نفسه بطريقة مربكة لخصومه.
حين يُستدعى انهيار الاتحاد السوفيتي في هذا السياق، لا يكون ذلك بوصفه مقارنة مباشرة مع إيران، بل بوصفه ذاكرة سياسية ما زالت حاضرة في وعي الأنظمة. فالاتحاد السوفيتي كان يُنظر إليه كدولة قوية، ذات قدرة عالية على الضبط، ومع ذلك انهار من الداخل بوتيرة فاجأت كثيرين.
سقوط نظام أيديولوجي لا يعني بالضرورة انتقالًا منظمًا إلى واقع أكثر استقرارًا، بل كثيرًا ما يفضي إلى مرحلة طويلة من الضياع السياسي، حيث تنهار المرجعيات القديمة قبل أن تتشكل بدائل واضحة. في مثل هذه اللحظات، تتقدم قوى متعارضة لملء الفراغ، وتُدفع الشعوب إلى تحمّل أثمان اقتصادية وأمنية واجتماعية مرتفعة، قبل أن يستقر ميزان جديد قد لا يكون أفضل من سابقه. هذه التجربة، بما تحمله من فوضى وعدم يقين، هي ما يجعل الحذر من التغيير المفاجئ أقوى، في حسابات الأنظمة، من الرغبة في إصلاح جذري غير مضمون النتائج.
لا يمكن فهم السلوك الأمريكي تجاه إيران من خلال التصريحات وحدها. ما يبدو ترددًا أو تناقضًا هو في الواقع أسلوب متعمّد لإدارة الملف. فالولايات المتحدة تفضّل إبقاء الوضع في مساحة رمادية تسمح لها بالضغط دون أن تُلزم نفسها بمواجهة مفتوحة.
هذا الغموض لا يعني غياب الأهداف، بل محدوديتها. فإسقاط النظام الإيراني ليس خيارًا بسيطًا، ولا مسارًا يمكن التحكم بمآلاته. لذلك يتركز السلوك الأمريكي على دفع إيران إلى تعديل سلوكها الخارجي، لا على إعادة تشكيلها من الداخل. التهديد بالقوة يُستخدم هنا كوسيلة ضغط سياسية ونفسية، تُبقي الخصم تحت الضغط دون الوصول إلى لحظة يصبح فيها استخدام القوة التزامًا لا يمكن التراجع عنه.
بهذا الأسلوب، تحتفظ واشنطن بهامش حركة واسع، يتيح لها طمأنة حلفائها، والتراجع عند الحاجة، والتقدم خطوة عند الضرورة، دون الوقوع في فخ القرار النهائي. الأزمة تُدار بدل أن تُحل، لأن كلفة الحسم ما زالت، في نظر صانع القرار الأمريكي، أعلى من كلفة الإبقاء على الوضع الحالي.
أما إسرائيل، فعلى الرغم من تصويرها لإيران بوصفها تهديدًا وجوديا، فإن سلوكها يكشف مقاربة أكثر انتقائية. فالنظام الإيراني الحالي، بخطابه الأيديولوجي وحدّته المعلنة، يمثل خصمًا واضح المعالم، يمكن تقديمه للعالم بوصفه مصدر خطر دائم. هذه الصورة الثابتة تسهّل حشد الدعم وتبرير السياسات الدفاعية.
في المقابل، يثير احتمال تحوّل إيران إلى دولة أقل حدّة وأكثر انفتاحًا حذرًا مختلفًا. فخصم أقل توترًا في خطابه، وأكثر قابلية لإقامة علاقات طبيعية، يصبح أصعب في تصنيفه وتقديمه كاستثناء دائم. من هنا، لا يبدو أن إسرائيل معنية بانهيار النظام بقدر ما هي معنية بإبقائه تحت الضغط ومنع تحوّله النوعي، لأن الخصم المعروف، مهما كان حادًا، يظل أقل إرباكًا من مجهول قد يفرض قواعد جديدة للتعامل.
في المحصلة، يتبيّن أن إيران، بصيغتها الراهنة، لا تُعامَل بوصفها نظامًا يجب إنهاؤه، بل بوصفها خصمًا يمكن إدارته. هذا لا يعود إلى شرعية النظام أو قوته الذاتية، بل إلى شبكة من المخاوف والحسابات التي تجعل نهايته خيارًا غير مرغوب فيه، أو مؤجّلًا، رغم الكلفة الاجتماعية والسياسية التي يفرضها هذا التأجيل.
هذه المعادلة ليست ثابتة ولا محصّنة تاريخيًا، فمسارات التحول الكبرى قد تأتي من حيث لا يُتوقع. لكنها تعبّر، في لحظتها الراهنة، عن اختيار واعٍ للإبقاء على أزمة قابلة للإدارة بدل الذهاب إلى نهاية مجهولة، في منطقة دفعت، ولا تزال، أثمانًا باهظة لكل تغيير لم يُحسَب جيدًا.
1 شباط 2026
…