ثبات الاستراتيجية وتغير الأدوات: قراءة في إعادة تموضع شرق الفرات.

هجار أمين،

على خلاف الانطباعات السطحية التي توحي بأن ما يجري في منطقة شرق الفرات يمثل تحولاً جذرياً في موازين القوى، تكشف القراءة المتأنية للمشهد أن ما حدث لا يتجاوز كونه إعادة تموضع تكتيكية ضمن إطار استراتيجي ثابت، فـ«المشغّلون الكبار» لم يغيروا خططهم، بل أعادوا ترتيب أدواتهم بما ينسجم مع متطلبات المرحلة، دون المساس بجوهر المشروع أو غاياته بعيدة المدى.

منذ البداية، لم تكن الرقة ودير الزور جزءاً عضوياً مما يُروَّج له بوصفه «الإقليم الكوردي». فهاتان المنطقتان، من حيث البنية الديموغرافية والتاريخ السياسي، ظلّتا خارج أي تصور قومي كوردي متماسك، غير أن أهميتهما لم تكن كامنة في هويتهما، بل في وظيفتهما التفاوضية، إذ جرى التعامل معهما بوصفهما أوراق ضغط قابلة للمقايضة في لحظة سياسية مناسبة.

وقد فشلت «قوات سوريا الديمقراطية» في تحويل السيطرة العسكرية على هاتين المنطقتين إلى رأسمال سياسي أو اجتماعي مستدام، الأمر الذي جعلهما عبئاً أمنياً أكثر من كونهما مكسباً استراتيجياً، هذا الفشل سهّل عملية التخلي عنهما لاحقاً، مقابل تحصيل مكاسب أكثر رسوخاً في المناطق التي تُشكّل «النواة الصلبة» للمشروع الكوردي، أي من ديرك، الى القامشلي، مروراً بالحسكة، وكوباني، ثم عفرين مستقبلاً.

عند مقارنة شروط «قسد» السابقة للاندماج مع السلطة المركزية بالصيغة الحالية، يتضح أن الفارق ليس في المضمون بقدر ما هو في الشكل، فالمطالب القديمة كانت صريحة ومباشرة: ثلاث فرق عسكرية مستقلة، منع كامل لدخول الجيش إلى شرق الفرات، إحلال قوى أمن محلية بديلة عن أجهزة الدولة، حصة واضحة من النفط والغاز، سيطرة كاملة على التعيينات الإدارية، وإدارة مؤسسات الدولة السيادية تحت حماية أمنية تابعة لـ«قسد».

أما الصيغة الراهنة، فتبدو للوهلة الأولى أكثر «اعتدالاً»، لكنها في الواقع تحافظ على الجوهر ذاته مع تعديلات لغوية وتنظيمية محدودة، فبدلاً من ثلاث فرق، جرى القبول بفرقة واحدة مدعومة بلواء كامل يوازيها عدداً وفعالية، وبدلاً من منع الجيش من كامل شرق الفرات، حُصرت مناطق الحظر في الحسكة والقامشلي وكوباني، كما سُمح بوجود رمزي لقوات أمن تابعة للسلطة في بعض هذه المناطق، دون أن يمس ذلك بالثقل العسكري الفعلي لوحدات حماية الشعب YPG.

هذه الصيغة تُنتج وضعاً هجيناً بالغ الإشكالية: حاجز للأمن العام يقف عملياً إلى جانب تشكيلات عسكرية مكتملة لـYPG، في مشهد يعكس سيادة منقوصة أكثر مما يعكس اندماجاً حقيقياً.

تكمن إشكالية هذا «الاندماج» في طبيعته البنيوية، لا في تفاصيله التقنية، فمن غير الواقعي افتراض قدرة السلطة على إعادة توزيع عناصر «قسد» المندمجين على جبهات بعيدة كدرعا أو حمص، كما أنه من المستحيل عملياً إرسال مجندين من وزارة الدفاع للخدمة في كوباني أو القامشلي أو الحسكة. هذه الاستحالة الوظيفية تعني أن الاندماج سيبقى شكلياً، وأن ثنائية السلطة ستستمر، ولو تحت غطاء قانوني جديد.

لا يمكن فهم موافقة «قسد» على هذه الترتيبات بمعزل عن الضمانات الإقليمية والدولية التي تلقتها من أطراف غير أمريكية، جوهر هذه الضمانات يقوم على مبدأ «تهدئة مؤقتة» بانتظار حسم ملفات إقليمية أكبر، تمتد من إيران إلى العراق ولبنان. 

الرهان هنا هو على عامل الزمن، تجميد الصراع المحلي إلى أن تتغير المعادلات الإقليمية.

وفق هذا التصور، يُفترض أن يؤدي أي إضعاف جوهري للمركز في طهران إلى فتح الباب أمام شكل من أشكال الحكم الذاتي للكورد في إيران، ما سيمنح «قسد» عمقاً استراتيجياً جديداً، عندها فقط، يصبح الوجود الرمزي للسلطة في مناطق الحسكة والقامشلي وكوباني قابلاً للإزاحة، لا بالتفاوض بل بفرض الأمر الواقع.

السؤال المؤجل: ما الذي لم يُقَل بعد؟

يبقى السؤال الأكثر حساسية: لماذا توقّف الجيش عن استكمال دخوله إلى الحسكة والقامشلي وكوباني، رغم امتلاكه القدرة العسكرية على ذلك؟ الإجابة لا تكمن في الميدان، بل في غرف التفاوض البعيدة عنه، وما يفتح باب التساؤل أكثر هو: ما الذي جرى التنازل عنه في باريس، خصوصاً في ما يتعلق بالجنوب السوري، حتى جرى تمرير ترتيبات سمحت بتسليم الرقة ودير الزور بهذه الصيغة؟

الأشهر القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، فهي ليست زمناً انتقالياً عابراً، بل مرحلة اختبار ستُظهر إن كانت هذه التفاهمات مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، أم تمهيداً لتحولات أعمق في بنية الصراع السوري ككل.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو ​بعد خمسين عاماً من معايشة الوجع الكردي، لم أتوقف يوماً عن القراءة في الكتب العلمية والاستماع بإنصات لكل من النخبة والجماهير، مؤمناً بأن واجبي الإنساني والقومي يفرض عليَّ أن أكون تلميذاً دائماً للحقيقة. ومنذ أكثر من نصف قرن، دأبتُ على جمع خلاصة الفكر الإنساني والسياسي في مكتبتي الخاصة، وحفظتها كأمانة للتاريخ. ​اليوم، ومع سقوط النظام البعثي الأمني وهروب…

عبدالجابرحبيب الشبهة بين النص والتراث في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج…

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…