قراءة سياسية في اتفاق قسد والسلطة السورية

 نورالدين عمر 

 

يمثل الإعلان الصادر في الثلاثين من كانون الثاني 2026 عن اتفاق شامل بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية منعطفا تاريخيا في مسار الأزمة السورية. فهذا الاتفاق، الذي يضع حدا لحالة التوتر والصراع العسكري، يرسم خارطة طريق لعملية دمج عسكري وإداري شاملة. وقبل التطرق إلى أبعاده السياسية، وما يحمله في طياته للكرد، لا بد من التذكير بأبرز بنوده الأساسية:

ينص الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقسد، والتفاهم على آلية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الطرفين. ويشمل ذلك انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة. كما يتضمن تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى تشكيل لواء خاص بقوات كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

ويشمل الاتفاق أيضا دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، إلى جانب تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

من الناحية السياسية، يعني هذا الاتفاق اعتراف الإدارة الذاتية بمركزية الدولة السورية، مقابل اعتراف دمشق بخصوصية الشعب الكردي، أي الانتقال من مشروع الإدارة الذاتية اللامركزية المستقلة إلى الاندماج ضمن هيكلية الدولة السورية.

أما من الناحية القانونية، فيعني الاتفاق إضفاء الشرعية على مؤسسات الإدارة الذاتية وموظفيها عبر ربطهم بالوزارات السورية الرسمية، وتحويل قسد من قوة عسكرية خارج إطار الدولة إلى جزء قانوني من المنظومة الدفاعية السورية، تحت مسمى ألوية أو فرق عسكرية.

يبدو أن السؤال الأكثر إلحاحا في هذه المرحلة هو: هل خسر الكرد الرهان، أم أنهم حققوا مكاسب رغم كل المصاعب وتخلي الحلفاء عنهم، بعد التضحيات الجسيمة التي قدموها في مواجهة أخطر تنظيم إرهابي عرفه العالم؟

من وجهة نظري، يفتح هذا الاتفاق المجال أمام تثبيت الحقوق المدنية والتربوية للكرد، مثل اللغة والهوية، ضمن الدستور أو القوانين النافذة، كما يساهم في إنهاء التهديدات العسكرية، وضمان عودة النازحين، وتثبيت الموظفين الكرد العاملين في مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن ملاك الدولة بضمانات رسمية.

أما على مستوى الاعتراف بالخصوصية، فإن تشكيل ألوية عسكرية خاصة قد يحافظ على الرمزية العسكرية للمناطق الكردية، ويشكل أحد الضمانات المهمة لحمايتهم من أي مخاطر مستقبلية.

في المقابل، قد يرى البعض في هذا الاندماج تخليا عن حلم الإدارة الذاتية والحكم الذاتي المطلق، وخضوعا مجددا لمركزية دمشق، بعيدا عن الرعاية الدولية. إلا أنني أعتقد أن الاتفاق يعزز فرص بقاء الكرد في أرضهم، ويحد من نزيف الهجرة، ولا يضع القضية الكردية تحت مظلة الدولة السورية حصرا، إذ ستبقى هذه القضية محل رعاية واهتمام دولي مباشر، وهو ما تؤكده موجة الترحيب الواسعة من قبل معظم الدول الأوروبية والغربية.

لكن رغم ما يحمله الاتفاق من فرص، فإن التحديات والمخاطر لا تزال كبيرة، فالتطبيق العملي يتضمن تفاصيل معقدة. وباختصار، قد يكون الاتفاق مقبولا نظريا، لكنه يواجه عقبات جسيمة على أرض الواقع، في مقدمتها انعدام الثقة المتراكم بين الكرد والسلطة.

كما أن الموقف التركي يظل عاملا مقلقا، فرغم إظهاره تأييدا ظاهريا للاتفاق، إلا أن أنقرة قد تعود إلى التذرع بمسألة أمنها القومي لعرقلته، كما فعلت في مرات سابقة. وفي هذا السياق، يبقى الموقف الأمريكي والدعم الدولي لقسد، إضافة إلى الوجود الأمريكي في شرق الفرات، عوامل حاسمة في تحديد مدى صمود هذا الاتفاق.

ومن المؤكد أن عملية الاندماج ستتطلب وقتا وجهدا وإمكانات لوجستية ضخمة، وقد تتعثر أو تفشل، مما قد يؤدي إلى اندلاع اشتباكات جديدة، في ظل وجود أطراف متعددة تسعى إلى إفشال الاتفاق.

أما من مستقبل دور قس، فيرى البعض أن قسد قد تتحول، بعد تطبيق الاتفاق، من قوة حاكمة إلى قوة حامية للحدود، أو من سلطة أمنية وسياسية تدير المنطقة إلى قوة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع السورية، يقتصر دورها على المهام القتالية وحماية الحدود، بينما تنتقل المهام الأمنية الداخلية تدريجيا إلى وزارة الداخلية السورية. وقد يعني ذلك ذوبان الصبغة السياسية لقسد لصالح الصبغة العسكرية المهنية. 

ربما يحمل هذا الطرح جزءا من الحقيقة، إلا أن قسد ليست فصيلا عاديا، بل تمتلك تشعبات واسعة وإمكانات كبيرة، ولن تقبل بتهميش دورها كأي فصيل آخر. وستسعى بكل ما تملك إلى ضمان دور فاعل ومؤثر داخل الجيش السوري، خاصة في ظل تولي أحد قيادييها منصب نائب وزير الدفاع، وباعتبارها القوة الأساسية لحماية المناطق الكردية.

في الختام، يمكن القول إن نجاح هذا الاتفاق قد يشكل حقنا حقيقيا للدماء وفرصة جدية لتوحيد البلاد، لكنه يبقى مرهونا بصدق النوايا، وتوفر الضمانات الدولية. وقد يكون هذا الاتفاق بداية لمسار استقرار طويل، أو مجرد استراحة محارب تسبق جولة جديدة من الصراع.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…