د. محمود عباس
لم يكن تقديم مشروع قانون «حماية الكورد» إلى الكونغرس الأمريكي حدثًا عابرًا، ولا مجرّد ردّ فعل أخلاقي على مشاهد العنف في سوريا، بل جاء بوصفه إنذارًا سياسيًا متقدمًا يعكس تحوّلًا نوعيًا في المزاج الأمريكي، تشريعيًا وتنفيذيًا، تجاه ما يُسمّى بالحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، المعروف فعليًا بأبي محمد الجولاني. فحين يتقاطع الجمهوري والديمقراطي، في لحظة استقطاب داخلي حاد، على قانون واحد، فهذا يعني أن الملف تجاوز الحسابات الحزبية، ودخل دائرة التهديد المباشر للأمن القومي الأمريكي.
تقدّم السيناتور الجمهوري (ليندسي غراهام) بالشراكة مع السيناتور الديمقراطي (ريتشارد بلومنثال) بمشروع القانون رسميًا، في خطوة تعكس توافقًا نادرًا بين الحزبين على جوهر التقييم السياسي والأمني للمشهد السوري. وهذا التوافق لا يقتصر على الإقرار بعدم وجود بديل فعلي عن التحالف مع الكورد في محاربة الإرهاب، بل يستند إلى تجربة تمتد لأكثر من عقد من الشراكة الميدانية أثبتت خلالها القوى الكوردية أنها الطرف الأكثر موثوقية واستقرارًا في الشرق الأوسط. كما يحمل هذا الإجماع اعترافًا صريحًا بأن ما جرى خلال الأشهر الماضية أسقط الرهان الأمريكي على إمكانية «تحوّل» حكومة الجولاني إلى كيان سياسي قابل للاحتواء أو الشراكة، بعد أن تبيّن عجزها البنيوي عن الانفصال عن جذورها الأيديولوجية والسلوكية.
أولى الركائز التي استند إليها هذا القانون، أن الحكومة السورية الانتقالية فشلت فشلًا صريحًا في الالتزام بالشروط التي رافقت إلغاء «قانون قيصر» بطلب من إدارة ترامب. فقد كان إلغاء القانون مشروطًا بحماية المكونات السورية، وضمان عدم استهداف الكورد، ووقف أي سلوك يهدد الاستقرار أو يعيد إنتاج الإرهاب. لكن الوقائع الميدانية، والتقارير الاستخباراتية التي وصلت إلى أعضاء الكونغرس، أكدت أن هذه الشروط لم تُخترق فحسب، بل جرى الدوس عليها علنًا.
أما الركيزة الثانية، فهي أخطر بكثير: إذ تبيّن للكونغرس أن حكومة أحمد الشرع ليست سوى إعادة تدوير مباشرة لمنظمة هيئة تحرير الشام، بذات البنية، وذات المنهجية، وذات المرجعية التكفيرية. لم يحدث أي تفكيك حقيقي للتنظيم، ولا أي قطيعة مع الفكر الإرهابي، بل جرى إدماج أعداد واسعة من فلول داعش والتنظيمات المتطرفة ضمن الجيش الذي شُكّل حديثًا. وبذلك، لم تعد هذه الحكومة عاجزة عن محاربة داعش فحسب، بل باتت، وفق المعطيات الأمريكية، بيئة حاضنة لها بأساليب مباشرة وغير مباشرة.
ومن هنا، يصبح مشروع القانون رسالة مزدوجة، حماية الكورد من جهة، وإعادة تصنيف الحكومة السورية الجديدة من جهة أخرى. فواشنطن، التي كانت مستعدة لمنح الجولاني فرصة مشروطة، وجدت نفسها أمام واقع يعيد إنتاج أسوأ سيناريوهات ما بعد 2011، ولكن بواجهة جديدة ولغة سياسية منمّقة.
ومن المرجّح، استنادًا إلى السياق العام، أن إدارة الرئيس ترامب لا تعارض هذا المشروع، خصوصًا أن الكونغرس ذاته هو الذي استجاب سابقًا لطلب الإدارة بإلغاء قانون قيصر. غير أن ما حدث خلال الشهر الماضي أقنع السلطتين التشريعية والتنفيذية معًا بأن الحكومة السورية الانتقالية قد أخلّت بالاتفاق، ما فتح الباب أمام هذا التحول التشريعي الحاد.
في هذا الإطار، يمكن قراءة القانون بوصفه بداية العدّ العكسي لحكومة هيئة تحرير الشام. فقد جرى التحذير مرارًا من أن فتح جبهة عداء ضد الكورد في غربي كوردستان لن يكون عامل تثبيت للسلطة، بل الشرارة الأولى لانهيارها. وكما جرى تعويم الجولاني بسرعة استثنائية، فإن إسقاطه قد يتم بالسرعة ذاتها، مهما حاولت تركيا توفير الغطاء أو الإسناد السياسي والعسكري.
وليس من قبيل الصدفة أن تأتي تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبل أيام، حين أقرّ بأن أنقرة عرضت على الجولاني وهيئة تحرير الشام جملة شروط، في مقدّمها محاربة الحراك الكوردي وقوات قسد والإدارة الذاتية، أي إخضاع الجولاني بالكامل لمطالبها، مقابل دعمه وتمكينه من الحلول مكان نظام الأسد، بعد التوافق الدولي على إسقاط النظام المجرم البائد. لم تكن تلك التصريحات زلّة لسان ولا تفصيلاً عابرًا، بل رسالة تعرية سياسية متعمّدة تؤكد أن الجولاني ليس شريكًا مستقلًا في أي معادلة، بل أداة وظيفية قابلة للاستبدال عند انتفاء الحاجة. وهي تعرية لا تطاله وحده، بل تطال هيئة تحرير الشام بكامل بنيتها، بوصفها كيانًا هشًا، مفككًا من الداخل، يستمد وجوده من الدعم الخارجي لا من أي شرعية داخلية أو قبول مجتمعي.
ولا يُستبعد، في هذا السياق، أن تكون أنقرة، وبالتزامن مع هذا التهديد العلني، قد فتحت قنوات تواصل مع موسكو، في محاولة لتقديم الجولاني كبديل أمريكي محتمل في حال قررت واشنطن الاستغناء عنه. غير أن هذا المسار، إذا ما تصاعد بوصفه محاولة لإنقاذ الجولاني باعتباره الأداة التركية الأهم في محاربة الحراك الكوردي والإدارة الذاتية وقوات قسد، لن يقوده إلا إلى مستنقع أعمق ونهاية متسارعة وسقوط مدوٍّ. وهو مسار يذكّر، إلى حدٍّ بعيد، بما وقع فيه أردوغان حين حاول فرض شروطه على الولايات المتحدة عبر صفقة صواريخ S-400 والتقارب السياسي والعسكري مع روسيا؛ مغامرة كادت أن تطيح بالاقتصاد التركي وتُغرق الدولة في أزمة وجودية عميقة، لولا التراجع القسري والعودة إلى حضن الناتو والتحالف الأمريكي.
في المحصلة، لا شيء ينقذ الحكومة الإرهابية في دمشق من الانهيار السريع، سوى وقف الحرب على غربي كوردستان، ووقف استهداف المكوّنين الدرزي والعلوي، وكبح موجة التطرف السني المتفشية بشكل كارثي. لكن هذا المسار يبدو شبه مستحيل، لأن التنظيمات التكفيرية التي تشكّل العمود الفقري لهذه السلطة، وهي أدوات تركية بامتياز، لا تملك القدرة على التحوّل أو المراجعة. بل على العكس، يجري العمل على دفع حتى التيارات السنية الليبرالية نحو التطرف، وإعادة إنتاج نموذج استبدادي لا يختلف في جوهره عن نظام الأسد البائد، سوى في الخطاب والرموز.
وهنا، تحديدًا، يلتقي قانون «حماية الكورد» مع سؤال أكبر: هل تتعلم واشنطن من أخطائها في إدارة الإسلام السياسي المسلح، أم تعيد التجربة نفسها بوجوه جديدة؟
حتى الآن، يبدو أن الكونغرس قرر على الأقل ألا يصمت هذه المرة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
29/1/2026م