التضامن الكردي في زمن الأزمات: “كێنە ئَم” في الممارسة

خوشناف سليمان

 

حين صدح شفان بأبيات الشاعر الكوردي الكبير جكرخوين في أغنيته الخالدة “كێنە ئَم”، لم يكن ذلك مجرد سؤال عابر، بل تعبير عن جوهر شعب حي صامد، قادر على تحويل الألم والتجارب القاسية إلى فعل إنساني نابض بالحياة. هذا السؤال، الذي رافق الوجدان الكردي عبر التاريخ، لم يبق حبيس الذاكرة أو الغناء، بل يتجدّد حضوره كلما وُضع هذا الشعب أمام اختبار الشدة والمحنة.

في صباح شتوي قارس، حيث يلتف البرد حول وجوه الأطفال ويخيم الصمت الثقيل على المخيمات، أطلقت قناة روداو أكبر حملة تبرع لدعم النازحين الكرد في روجآفا. كانت رسالة واضحة: “أنتم لستم وحدكم”. لم تكن الحملة مجرد جمع أموال أو شاحنات محمّلة بالمساعدات، بل نبض حي من تضامن شعب عانى ويلات النزوح والحروب، وأثبت حضوره القوي إلى جانب إخوتهم في أحلك الظروف، حين يتداخل الجوع مع الخوف، والحنين مع قسوة الشتاء.

لم يكن التضامن حدثا عابرا، بل نافذة مفتوحة على تجربة أمة عرفت القسوة والتشريد. فالكرد في كوردستان العراق، وقد خبروا تجارب نزوح مماثلة في أزمات سابقة، يدركون جيدا معنى أن تغيب اليد الممتدة حين تشتد اللحظة. ففي جهد جماعي نابض بالوعي والرحمة، جاءوا ليقولوا لأشقائهم في روجآفا: نحن معكم. هنا، لا يُختزل التضامن في فعل خيري عابر، بل يتحوّل إلى لغة قلوب، تنسج خيوط مصير مشترك، وألم موروث، ونداء إنساني لا يمكن تجاهله. وخلال أيام قليلة، استطاعوا تحويل التعاطف إلى فعل ملموس، فجمعوا مبالغ طائلة فاقت جميع التوقعات، إلى جانب أطنان من الغذاء والدواء والملابس ووسائل التدفئة وألعاب الأطفال. وانطلقت الشاحنات مثقلة، لا بحمولاتها وحدها، بل بالدفء والرجاء، حاملة ما أعاد شيئا من الأمل إلى أطفال غابت الابتسامة عن وجوههم، وإلى نساء وكبار سن وجدوا في البطانيات ووسائل التدفئة دفئا يخفف قسوة أيامهم ومعاناتهم.

ولم يقتصر العطاء على الجهود الشعبية وحدها، إذ كان لمؤسسة بارزاني الخيرية دور بارز في هذه الحملة، حيث أرسلت عشرات الشاحنات الإضافية المحمّلة بالمواد الغذائية وغيرها من متطلبات الحياة، إلى جانب تقديم دعم مباشر للمدارس والمساجد التي تؤوي النازحين. وقد وصلت مساعداتها إلى أكثر من ستين ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، مؤكدة أهمية العمل الإنساني المنظّم في التخفيف من حدة المعاناة، لا سيما في ظل الظروف الشتوية القاسية.

ومع هذا الزخم الإنساني المشرف، تفرض الأمانة الموضوعية الإشارة إلى أن هذه الحملات، بحكم حداثة التجربة، لم تخل من بعض الإشكاليات. فغياب الخبرة التنظيمية الكافية في الإدارة أدى أحيانا إلى قدر من الفوضى، كما لجأ بعض المشاركين إلى الإعلان عن أسمائهم أو مساهماتهم، رغم أن العمل الإنساني في جوهره فعل أخلاقي يُفترض أن يسمو على الظهور الشخصي. ومع ذلك، يبقى الجانب الأبرز والأكثر إشراقا هو أن الغالبية العظمى من المتبرعين اختاروا العطاء بصمت، دون إعلان أو استعراض، مجسدين المعنى الحقيقي للتكافل والإنسانية الخالصة.

ومن أجمل المشاهد التي جسدت روح التضامن أثناء الحملة، بدأ الجزء الرابع بأغنية الفنان الكبير شفان برور “كێنە ئَم”، التي أداها وسط تصفيق حار من الجماهير. وبين الحضور، كان رجل دين يبكي عند سماع الأغنية، ولما لاحظ منظم الحملة رنج سنكاوي ذلك، طلب من شفان أن يساعده على التهدئة. تقدّم شفان برور، وأمسك بيد رجل الدين وعانقه وسط تصفيق الحاضرين وحماستهم، فردّ الرجل بقوة قائلاً:

“نحن فخورون بك، أنت تقوي عزيمتنا. أتذكر عام 1988 عندما قتل البعث أمي وأبي وإخوتي وبقيت وحيدا، وكنا نستمع إليك لنرفع معنوياتنا. والآن، عندما غنيت تلك الأغنية، أعادتني إلى ذلك الزمن ولم أستطع منع نفسي من البكاء.”

فأجاب شفان برور: “أخواتك وإخوتك تاج على رؤوسنا، لا أحد يستطيع أن يفني الشعب الكوردي.” كانت هذه اللحظة شهادة حية على تجسيد مفهوم “كێنە ئَم” وروح التضامن الكردي.

في المحصّلة، لم تكن حملة روداو، المعروفة بحملة “رَنج” للإعلامي رَنج سنكاوي، مجرد أرقام أو شاحنات، بل تجسيد حي للكرم الكردي وروح التضامن. كل وجبة طعام، وكل بطانية، وكل لعبة طفل كانت رسالة تقول: نحن معكم، نشاطركم الألم والأمل. لقد أثبت الكرد أن العطاء قادر على إشعال نور الرحمة، وتحويل الألم إلى دفء، والمحنة إلى رسالة إنسانية لا تُنسى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…