كيف تصفّق لمن يلعب بدمك؟

نبيل الملحم

ما يجري في الفضاء السوري اليوم ليس “خصومة سياسية” بقدر ما هو انفلات أخلاقي مغطّى بلغة السياسة، فالحوار بين المتخاصمين، ليس حدّة الخلاف، بل غياب الحدّ الأدنى من شرف الخصومة.. شتائم، تخوين، سخرية جارحة، وانتهاكات معنوية متبادلة، كأن السياسة صارت رخصة لإلغاء الإنسان.

أتساءل:

ـ هل عرف العالم خصومات سياسية قاسية من دون أن تنزلق إلى مستنقع الإهانة؟

والجواب: نعم، عرف.

في جنوب أفريقيا، بعد عقود من الفصل العنصري، جلس مانديلا مع جلاديه، لم يكن الحوار عاطفيًا ولا ساذجًا، لكنه كان محترمًا.. الخصومة لم تُمحَ، لكن الإنسان لم يُسحق.

في تشيلي، بعد بينوشيه، احتدم الخلاف بين من طالبوا بالقصاص ومن دعوا إلى المصالحة، وكان الصراع أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا، لكن اللغة ظلّت منضبطة.. لم تتحول السياسة إلى شتيمة.

في إسبانيا ما بعد فرانكو، اتفق الخصوم على “ميثاق النسيان” لا حبًا بالنسيان، بل احترامًا لحدٍّ أدنى يسمح للبلد أن يتنفس.. الخصومة بقيت، لكن بلا تشهير ولا تحقير.

حتى في أيرلندا الشمالية، حيث الدم سال لعقود، أدرك المتخاصمون أن الكراهية اللفظية تطيل الحرب ولا تحسمها.. فتعلموا أن يتجادلوا بلا إلغاء.

هذه ليست أمثلة ملائكية، لكنها تقول شيئًا واحدًا مهمًاً:

ـ يمكن أن تكون خصمًا شرسًا، من دون أن تكون منحطّاً.

ما نعيشه في سوريا اليوم ليس فائض سياسة، بل فقر أخلاقي في إدارة الخلاف، وحين تسقط اللغة، يسقط كل شيء بعدها.

كلّ مايحدث هو خنجر يمكن ابتلاعه، غير أن مالايبتلع هو “الجمهور المصفّق”، كما لو أن الانحطاط لاينال من مصيره ودمه.

ما يحدث، ما تبثه المحطات، ما نقرأه على مواقع التواصل، وما يحدث على الأرصفة لابد ويدعو للغثيان.

المحترم، هو من يقاطع هذا النوع من الشراكة أو الفرجة.. المحترم هو من يستعيد صرخة سعد زغلول:

ـ غطيني يا صفية، مفيش أمل.

والله ما يحدث يتجاوز “العيب” ويصل إلى مساحة “العار”، ما يحدث هو لعب بدم الناس.

ـ كيف تصفّق لمن يلعب بدمك؟

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid027stRCkbNdDcqCxfgS4FZAHxz27LxrB7NVXLrUqPwgKfQpiLbHeYadYyk2EfwXtGHl&id=100004254886122

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…