شادي حاجي
كثُر في الآونة الأخيرة تداول أحاديث عن وجود اتفاق أو تفاهم غير مُعلن بين وفد الإدارة الذاتية المفاوض والسلطة المؤقتة في دمشق، يُفترض أنه يتناول منح المناطق ذات الأغلبية الكردية شكلاً من أشكال الإدارة المحلية الموسَّعة. وقد أسهم غياب الشفافية بالرغم من أن الأمر يمس حقوق الشعب الكردي في سوريا وأرضه ومستقبل أجياله وتهميش دور الوفد السياسي الكردي المشترك للتفاوض مع دمشق ، إلى جانب تعقيد المشهد السوري وتداخل المسارات السياسية والعسكرية، في تغذية هذه الروايات وتحويلها إلى ما يشبه “المسلّمات” في الخطاب العام، رغم افتقارها إلى سند قانوني أو سياسي مُعلن.
من الناحية الموضوعية، لا يوجد حتى الآن أي إعلان رسمي، أو وثيقة مكتوبة، أو نص دستوري أو تشريعي يؤكد إبرام اتفاق من هذا النوع بين الطرفين. وعليه، فإن التعامل مع هذه المسألة بوصفها أمراً واقعاً أو التزاماً سياسياً قائماً يظل سابقاً لأوانه، ويفتقر إلى الدقة القانونية، خصوصاً في ظل الطبيعة الانتقالية للسلطات القائمة ومحدودية ولايتها الدستورية.
ويُفهم انتشار هذا الخطاب في سياق أوسع يتصل بالنقاش الدائر حول مستقبل شكل الدولة السورية، ولا سيما مسألة اللامركزية. فالمطالب الكردية بتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل عام 2011، وقد طُرحت بصيغ متعددة تراوحت بين اللامركزية الإدارية الموسعة، والحكم الذاتي، والفيدرالية. في المقابل، تتحدث السلطة المؤقتة في دمشق، في بعض تصريحاتها، عن ضرورة اعتماد “نماذج إدارية جديدة” أو “توسيع صلاحيات الإدارة المحلية”، دون أن تُرفق هذه الطروحات بتصور قانوني محدد أو إطار دستوري واضح.
وتبرز هنا إشكالية محورية تتعلق بطبيعة المصدر الذي يمكن أن تستمد منه الإدارة المحلية الموسعة مشروعيتها: هل تُمنح هذه الصلاحيات بقرارات صادرة عن السلطة التنفيذية، أم تُكرَّس كحق منصوص عليه في الدستور؟ فالفرق بين المسارين ليس شكلياً ، بل يمس جوهر الاستقرار السياسي وتوازن السلطة داخل الدولة.
إن منح صلاحيات موسعة للإدارات المحلية بموجب قرارات تنفيذية أو ترتيبات إدارية مؤقتة يظل، من حيث المبدأ، إجراءً هشّاً وقابلاً للتراجع، إذ يبقى خاضعاً لتبدّل الحكومات، أو لتغير موازين القوى السياسية، أو لإعادة تفسير الصلاحيات من قبل السلطة المركزية نفسها. كما أن هذا النوع من الاتفاقيات أو المنح لا يُنشئ حقاً قانونياً مكتسباً للوحدات المحلية، بل يضعها في موقع التابع، ضمن علاقة أقرب إلى التفويض الإداري القابل للسحب.
في المقابل، فإن إدراج الإدارة المحلية الموسعة ضمن نص دستوري صريح ينقلها من حيّز المنحة السياسية إلى حيّز الحق الدستوري. فالدستور، بوصفه القانون الأعلى، يُقيّد السلطة التنفيذية والتشريعية معاً ، ويحول دون الانتقاص من صلاحيات الوحدات المحلية إلا وفق آليات دستورية معقّدة، كما يفتح المجال أمام رقابة قضائية ودستورية تضمن احترام توزيع الاختصاصات وتمنع تغوّل المركز.
وعليه، فإن الإدارة المحلية الموسعة لا تكتسب معناها الحقيقي إلا حين تُكرَّس كحق دستوري، لا عندما تُمنح كامتياز إداري قابل للسحب.
ويُضاف إلى ذلك أن الخلط المتكرر بين مفهوم الإدارة المحلية الموسعة ومشاريع سياسية أوسع، كالفيدرالية أو التقسيم، يزيد من حساسية الموضوع ويُعيق نقاشه العقلاني. فالإدارة المحلية الموسعة، من حيث المبدأ، تُعد أحد نماذج الدولة الموحدة اللامركزية، ولا تنطوي بالضرورة على مساس بالسيادة أو وحدة الدولة، متى ما نُظّمت دستورياً وطُبّقت على أساس وطني شامل لا يقوم على معايير إثنية أو جغرافية انتقائية.
في المحصلة، يمكن القول إن ما يُشاع عن وجود اتفاق بين وفد الادارة الذاتية والسلطة المؤقتة في دمشق حول الإدارة المحلية الموسعة يندرج، في الوقت الراهن، ضمن إطار التحليلات والتكهنات السياسية أو الطروحات التفاوضية غير المعلنة، ولا يرتقي إلى مستوى الاتفاق القانوني أو السياسي الملزم. إن نقل هذا النقاش من دائرة الشائعات إلى فضاء الحوار الدستوري العلني يبقى شرطاً أساسياً لأي معالجة جدية لمسألة اللامركزية، بوصفها مدخلاً لإعادة بناء الدولة على أسس قانونية مستقرة وشاملة.
وإلى مستقبل أفضل