عبدالجابر حبيب
ليست السياسة فضاءً للعواطف، ولا مسرحاً للأمنيات الجميلة، بل حقلُ ألغامٍ تُقاس فيه الخطوات بميزان الممكن، وتُقرأ فيه النوايا ببرودة الوقائع. ومنذ بدايات العام المنصرم، بدا واضحاً لكل سوريٍّ، عموماً، ولكل كورديٍّ، على وجه الخصوص، أن شمال شرق سورية يقف عند حافة انفجارٍ كان يمكن أن يكون كارثياً على جميع مكونات المنطقة. جولاتٌ مكوكية، ووفودٌ لا تهدأ، ووساطاتٌ تتقاطع فيها المصالح السورية بالإقليمية والدولية، كلّها اجتمعت لهدفٍ واحد: نزع فتيل حربٍ مؤجلة، لا إلغاؤها.
الإقصاء واستدعاء الوهم
منذ سنوات، لم يتعب الخطاب الإقصائي من ترديد ذاته. محللون وسياسيون اعتادوا النظر إلى سورية من ثقب أيديولوجي ضيق، فأنكروا كل ما لا يشبههم، وحاولوا فرض سياسة الأمر الواقع بوصفها قدراً لا يُرد. في هذا السياق، تكررت على الألسن مقولة إن “ستين بالمئة من قوات سوريا الديمقراطية هم من العرب”، وهي حقيقة لم ينكرها قادة قسد أنفسهم. غير أن القراءة السطحية للأرقام لا تصنع سياسة، ولا تبني تحالفاً متيناً.
من يعرف تاريخ المنطقة، وطبائع مجتمعاتها، وتجاربها مع القوى المتعاقبة، يدرك أن كثيراً من أبناء العشائر العربية صفقوا لكل قادمٍ جديدٍ إلى مناطقهم، من الرقة إلى ريف دير الزور، لا عن قناعة راسخة، بل بحثاً عن أمانٍ مؤقت، أو مصلحةٍ عابرة. السياسة هنا لم تُبنَ على عقدٍ اجتماعي متين، بل على توازن هشٍّ سرعان ما يتصدع عند أول اختبار.
أسطورة الإشاعة التي تحولت إلى النصر
لم تخسر قسد بوصفها قوة عسكرية، معركةً حاسمة لسببٍ بسيط: لم تكن هناك مواجهة تقليدية مكتملة الأركان مع الجيش السوري. في دير حافر والمسكنة، كان ثمة اتفاقٌ واضح يقضي بالانسحاب ضمن جدولٍ زمني محدد. وبينما كانت القوات تُعدّ للانسحاب وتلمّ معداتها، وقع الهجوم قبل انتهاء المدة، فجرى تسويق المشهد على أنه “هزيمة”. السياسة هنا سبقت الرصاص، والإعلام سبق الحقيقة.
انكسار الجبهة من الداخل
أما في معركة الطبقة، فالقصة مختلفة تماماً. لم يكن تراجع قسد نتيجة ضغطٍ مباشر من الجيش السوري، بل نتيجة عاملٍ أشد خطورة: الانشقاقات الداخلية. انشقاقات كانت متوقعة، وحذّر منها كثيرون، لكن القيادة لم تُصغِ. كان الهمّ هو العدد لا العقيدة، الكمّ لا التماسك.
وبناء على ذلك، فلاشك أن فكرة “أخوة الشعوب” في جوهرها إنسانية نبيلة، تصلح شعاراً عالمياً، لكنها حين تُزرع في تربةٍ لم تُهيأ لها، تتحول إلى عبء. في مجتمعٍ محافظ، متدين، كيف يمكن تمرير فكرٍ ماركسيٍّ يرفض الدين رفضاً قاطعاً؟ حاول سياسيّو حزب الاتحاد الديمقراطي تجميل الفكرة، تغليفها بمصطلحات من قبيل “الإسلام الديمقراطي”، لكن النتيجة جاءت عكسية. رأى كثيرون من المكون الآخر أن في ذلك إساءة جديدة للدين، لا جسراً للتفاهم.
صراع الرايات
في المحصلة، حدث ما كان متوقعاً. ورغم كل ذلك، ما زال بعض أعضاء هذا التيار يحلمون بتعميم نظرية “أخوة الشعوب” بين جماعات تؤمن بالقومية بوصفها هوية غير قابلة للتنازل. الدليل الأوضح كان في الشارع الكوردي نفسه. علم كوردستان، الذي تنبّاه الكورد منذ عقود بوصفه رمزاً قومياً، ظل حاضراً في المظاهرات في عواصم العالم، باستثناء من تبنوا خطاب المجتمع الديمقراطي.
هذا العلم، حتى اليوم، يشكل نقطة خلاف مركزية بين الأحزاب ذات التوجه القومي، وتلك التي راهنت على نموذج مختلف للهوية والانتماء. الخلاف هنا ليس على قطعة قماش، بل على معنى الوجود ذاته: هل الكورد شعبٌ له قضية قومية واضحة، أم مجرد مكوّن ضمن فسيفساء بلا مركز؟
المواقف الدولية تجاه الكورد في سوريا
على الضفة الدولية، تكررت تصريحات الرؤساء والمبعوثين، من واشنطن إلى العواصم الأوروبية، لتؤكد دعماً عسكرياً ظرفياً لقسد في محاربة الإرهاب، دون أي التزام سياسي صريح تجاه الحقوق القومية للكورد في سورية. قيل بوضوح، على ألسنة مسؤولين أمريكيين، إن التحالف مع قسد “تكتيكي ومؤقت”، وإن مستقبل سورية يقرره السوريون ضمن تسوية شاملة. حتى حين أبدى بعض المبعوثين تفهماً لهواجس الإدارة الذاتية، بقي السقف محدداً: لا دولة، لا انفصال، ولا كيان خارج معادلة الدولة السورية.
هذه التصريحات، مهما اختلفت لهجتها، تشترك في جوهر واحد: الواقعية السياسية الباردة. دعمٌ حيث تقتضي المصلحة، وانسحابٌ حين تتغير الأولويات.
السياسة فن الممكن لا نشيد العاطفة
لا أحد ينكر أن كل كورديٍّ يتمنى أن يرى علم كوردستان مرفوعاً في كل بقعة من جغرافيتها التاريخية. هذا حلمٌ مشروع، تسكنه الذاكرة الجمعية. لكن السياسة ليست مرآةً للأحلام. إنها فن الممكن، وفن اقتناص الفرص، وبناء المكاسب الصغيرة فوق بعضها، لا القفز في الفراغ.
لا تُبنى الدول بالأمنيات، ولا تُدار الشعوب بالشعارات وحدها، ولا بترويج وعودٍ طوباوية تُستخدم لتخدير الوعي وتمرير ما لا يجوز أن يستمر بعد كل ما جرى. إن الواجب السياسي والأخلاقي يفرض على القيادات مصارحة الناس بالمستجدات كاملة، بلا تجميل ولا مواربة، لأن الأزمات لا تُحل بالإنكار، بل بحلٍّ جمعيٍّ يقوم على الشفافية وتحمل المسؤولية.
السياسي البارع ليس من يَعِدُ بالكثير، بل من يعرف كيف يحوّل القليل المتاح إلى واقعٍ أفضل. وبين الممكن والمأمول، يقف الكورد في سورية أمام اختبارٍ صعب: إما قراءة اللحظة بعينٍ باردة، أو الاستمرار في دفع أثمان الوهم.