غياب التعددية في سوريا الأسد والجولاني وفي عقول النخب الثقافية العربية السورية.. الروائي إبراهيم الجبين مثالاً 

آخين ولات

ليس من المبالغة القول إن إحدى أعمق أزمات سوريا بعد “الثورة” لم تكن سياسيةً فحسب، بل ثقافيةً ومعرفيةً أيضًا. فقد أسقطت الثورة نظاماً، لكنها لم تُسقط الخطاب الذي غذّاه، ولا الذهنية القومية الإقصائية التي حكمت رؤية النخبة السورية لتاريخ البلاد وتعدّديتها. وقد ظهر ذلك بوضوحٍ في خطاب الكثيرين جداً ممن يقدّمون أنفسهم كنخبةٍ مثقفة من العرب السوريين، ولكني شخصياً تابعت ذلك السقوط المدوّي في حوارٍ مع الروائي السوري إبراهيم الجبين، وجدته بالصدفة على اليوتيوب، يمكن اعتباره نموذجاً مكثفاً لخطابٍ شائعٍ داخل النخبة الثقافية العربية السورية، لا حالةً فرديةً معزولة.

وأنا بصفتي ككردية تهتم بالخطاب العربي  الثقافي، لاستكشاف أفقهم الوطني،  تابعتُ جزءاً من هذا الحوار الذي وصل إلى حدٍ لم  أجد في القسم الذي تابعته عن الكرد في سوريا قراءةً نقديةً للتاريخ، بل إعادة إنتاجٍ شبه حرفية لسردياتٍ بعثيةٍ قديمة، مغلّفة بلغةٍ ثقافيةٍ ناعمة، لكنها في الجوهر لا تقل إقصاءً ولا إنكاراً.

الجزيرة كما يراها جغرافيا بلا كرد

حين تُختزل منطقة الجزيرة  في الرقة ودير الزور والحسكة، ويُمحى ذكر مدن مثل قامشلو، عامودا، ديرك، سري كانيه، وكوباني، فإننا لا نكون أمام سهوٍ جغرافيٍ، بل أمام محوٍ واعٍ لوجود شعبٍ كامل. الحديث عن التشابه بين دير الزور والموصل في “عراق العرب”  على حد تعبيره، يعكس خريطةً ذهنيةً قومية لا ترى في هذه الجغرافيا سوى امتدادٍ عربيٍ، وتتعامل مع الكرد كعنصر ٍ طارئٍ أو غير مرئي.

سردية “الوافدين” وحدود الاستعمار

يتكرر الادعاء بأن الكرد “توافدوا” من تركيا بعد ثوراتهم، ولا سيما إثر ثورة الشيخ سعيد، “ على حدّ قوله أيضاً”  في تشبيهٍ مضلِّلٍ يُقارن هذا الانتقال بلجوء السوريين اليوم إلى أوروبا. هذه المقارنة تتجاهل حقيقةً أساسية: الكرد لم ينتقلوا إلى أرضٍ غريبة، بل تحرّكوا داخل جغرافيا وطنٍ واحد،  قُسمت أرضه قسراً بحدودٍ استعماريةٍ حديثة. لم تُنشئ هذه الحدود الشعوب، بل مزّقت وجودها.

اتهام الضحايا: الانتداب والولاء

القول بأن الانتداب الفرنسي “وطّن” الكرد والآشوريين ومنحهم أراض ٍ شاسعة بعد قدوم الكرد من تركيا والآشوريين من العراق، لأنهم كانوا عشائر موالية، ليس قراءةً تاريخية، بل خطابٌ اتهاميٌ جماعيٌ يُستخدم لنزع الشرعية عن وجود شعوبٍ كاملة. فالاستعمار استغل الجميع، لكنه لم يصنع الكرد ولا الآشوريين، ولم يمنحهم جذورهم.

الترحال كذريعة لنفي الأصالة

وصف الكوجر من الكرد  بأنهم “كرد بدو رحل” مثالٌ فاضح على استخدام نمط العيش لنزع الانتماء. حيث أن الترحال نمطٌ اجتماعيٌ–اقتصادي عرفته معظم المجتمعات، العربية والكردية على حد سواء، لكنه يتحول إلى “دليلٍ” على غياب الأصالة فقط حين يكون الحديث عن الكرد.

التاريخ المشروط بالفتح الإسلامي

القول إن الكرد جاؤوا مع الفتوحات الإسلامية إلى  سوريا، محاولةٌ لتقييد وجود شعبٍ كاملٍ بلحظةٍ عسكرية–دينية واحدة، ونفي ما قبلها من تاريخٍ موثّق. الكرد شعبٌ قديمٌ سبق الإسلام بقرونٍ، وأسلم أو أُجبِر على ذلك، كما أسلم غيره من الشعوب، ولم يُخلق مع الجيوش.

الأسماء لا تُنكر الناس

الاستشهاد بياقوت الحموي لإثبات “عروبة” كوباني “عين العرب” يخلط بين الجغرافيا والهوية. تعريب الاسم لا يغيّر هوية السكان، ولا يمحو تاريخهم، ولا يمنح شرعيةً جديدة للمكان.

تزوير الديمغرافيا:  أقل من خمسة عشر بالمئة فقط؟

من أخطر ما ورد في هذا الخطاب التلاعب المتعمد بالأرقام، حين يُقدَّر الوجود الكردي في الجزيرة بنسبة “خمسة عشر بالمئة” دون أي سندٍ علمي. هذا ليس خطأً إحصائياً، بل استخدامٌ سياسيٌ للأرقام لتقليص الوجود الكردي رقمياً،  وبالتالي تقزيم حقوقه سياسياً وثقافياً. الأرقام هنا لا تُستخدم أداة معرفةٍ؛ بل أداة إنكار.

إنكار القضية، مع الاعتراف العرضي

القول بعدم وجود قضيةٍ كرديةٍ في سوريا، مع الاعتراف المشروط بحق اللغة، تناقضٌ بحدّ ذاته. فاللغة لم تُمنع عبثاً، وتجريد مئات الآلاف من الجنسية لم يكن وهماً، وسياسات التعريب موثّقة. إنكار القضية لا يُلغيها، بل يكرّسها ويبيّن أكاذيب المتحدّث.

مخيم الهول: قلب الضحية إلى متهم

يُضاف إلى ذلك توصيف سكان مخيم الهول، من عوائل وأطفال تنظيم داعش متعدد الجنسيات الذين رفضت دولهم استلامهم،  على أنهم “مواطنون عرب مسلمون”، تحتجزهم قسد وتسجن الأطفال؛ في تجاهلٍ كامل لطبيعة المأساة الإنسانية المركّبة. الأخطر هو تحميل قوات سوريا الديمقراطية مسؤولية “دعشنة” العوائل العربية و هؤلاء الأطفال وسجنهم، في خطابٍ يُحوّل الضحايا إلى متّهمين، ويستخدم المعاناة الإنسانية مادةً  للتحريض السياسي.

قلب الجلاد إلى ضحية، والضحية جلاداً

يبلغ الخطاب ذروته حين يُقدَّم الجولاني بوصفه “رئيس حكومةٍ شرعي” وصاحب “تاريخٍ أبيض”، فقط لأنه دخل في تفاهمٍ سياسيٍ، بينما يُختزل الطرف الآخر في كونه “ميليشيا كردية تابعة لقنديل” تُدار من الخارج. وبغضّ النظر عن أي موقفٍ من قوات سوريا الديمقراطية، فإن تبييض سجل الجولاني، وتجاهل تاريخه كأمير تفخيخ وتفجير، وقائد لتنظيمات ارتكبت مجازر بحق  الكرد ومكوناتٍ سورية غير سنّية، ليس تحليلًا سياسياً، بل تزويرٌ أخلاقيٌ للتاريخ القريب.

تصويره كشخصية مستقلة ذات سيادة، في حين أنه جزء من شبكة معقّدة من المصالح الإقليمية والدولية، يكشف انتقائيةً واضحة: فالارتهان مقبولٌ إن كان عربيًا–سنّيًا، وخيانةً إن كان كرديًا.

لستُ هنا للدفاع عن قسد

هذا النقد ليس دفاعاً عن قوات سوريا الديمقراطية، ولا تبرئةً لأي ممارساتٍ خاطئة قد تكون ارتُكبت. بل هو موقفٌ مبدئيٌ ضد الأكاذيب، والتدليس، والكيل بمكيالين، وضد تحويل النقاش الثقافي – السياسي إلى حملة شيطنةٍ قومية.

من انتفاضةٍ إلى مجرد خلاف على مباراة 

تفريغ انتفاضة قامشلو عام 2004 من مضمونها السياسي، وتحويلها إلى “خلافٍ على مباراة كرة قدم”، إنكارٌ لحدثٍ كشف بوضوحٍ عن وجه سوريا الأسد العنصرية الشوفينية،  عن عنف الدولة القومية تجاه الكرد، حيث سقط خلاله ضحايا، وفُرضت حالة الطوارئ وإجراءاتٌ قمعيةٌ واسعة وانتقلت الانتفاضة إلى  كل المدن الكردية والأحياء ذات الأغلبية الكردية في المدن الكبرى مثل حلب والشام. 

الدولة المركزية وحدّ السيف

أما السؤال المضحك الذي ورد بهذه الصيغة بالضبط:

 “ يعني تشوف أن الدولة لا تُوَحّد إلا بحد السيف كما فعل ذلك الملك عبد العزيز في السعودية، وجورج واشنطون وبسمارك وستالين في ألمانيا” ؟ 

إن هذا السؤال الذي طُرح حول ما إذا كانت الدول لا تُوحَّد إلا “بحد السيف”، مع الاستشهاد بتجارب تاريخية متباعدة السياق، ما هو إلا قمّة العبث الفكري والجهل حيث أكّد أنه ليس إلا حوار الطرشان،  و هنا توقفت عن متابعته. 

 هذا السؤال الذي لا يفتح نقاشاً، بل يشرعن العنف، ويقدّم الاستبداد كقدرٍ تاريخيٍ، ويكشف انهيار الحوار من أساسه. 

كلمة أخيرة

لا يمكن لسوريا أن تُبنى على خطابٍ يزوّر التاريخ، ويقلّص الشعوب إلى أرقام، ويحوّل الضحية إلى متّهم، والمتطرّف إلى رجل دولة. ما يُقدَّم اليوم بوصفه “رأيًا ثقافيًا” ليس إلا استمرارًا للاستبداد بلغةٍ أخرى.

إن الإصرار على إنكار الوجود الكردي، أو شيطنته، أو التعامل معه كتهديدٍ دائم، لا يحمي سوريا ولا هويتها، بل يكرّس هشاشتها. فالوطن لا ينهار بالاعتراف بالتعددية، بل ينهار حين يُفرضُ تعريفٌ واحدٌ له بالقوة أو بالسردية.

المسؤولية هنا تقع على النخبة الثقافية قبل غيرها: إما أن تكون الثقافة أداةً لفهم التاريخ بكل تعقيداته، أو تتحول إلى غطاءٍ ناعمٍ لإنكارٍ قديمٍ أثبتت التجربة أنه لا ينتج إلا مزيداً من الانقسام.
ليس المطلوب استبدال سرديةٍ بأخرى، بل كسر منطق السردية الواحدة أصلاً . عندها فقط يمكن الحديث عن سوريا بوصفها وطناً مشتركاً، لا ساحةً دائمة لإنكار الوجود والذاكرة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…