إيران على أعتاب الانفجار: من “أكياس الموت” في كهريزك إلى العزلة المطلقة في جنيف

نظام مير محمدي *

 

تحليل وقائع انتفاضة يناير 2026

تشهد إيران في الأسابيع الأولى من عام 2026 تحولاً يتجاوز كونه مجرد احتجاجات في الشوارع، ليصبح زلزالاً هز أركان “الفاشية الدينية” الحاكمة. لقد أصبحت انتفاضة “شهر دي” (يناير) نقطة تحول تاريخية التقى فيها الغضب المتراكم للمجتمع مع الطريق المسدود لنظام متهالك. ما يجرى اليوم في الجغرافيا الإيرانية هو صراع وجودي بين جبهة “الإرادة الوطنية” وآلة “القمع الممنهج”؛ صراع لا يلوح في أفقه سوى خيار الإسقاط.

تصدع رأس السلطة: صمتُ “الخواص” المذعور

أحد أبرز تداعيات الانتفاضة الأخيرة هو انهيار الهيبة الاستعراضية في صلب النظام. إن دعوة علي خامنئي لـ “الخواص” لاتخاذ موقف ضد الانتفاضة قوبلت بصمت مدوٍ، وهو ما يعكس رعباً تغلغل في أعماق أركان السلطة. منابر صلاة الجمعة، التي كانت يوماً مراكز للتهديد والوعيد، باتت اليوم إما تكرر كليشيهات باهتة أو تفضل الاختباء خوفاً من الغضب الشعبي. يدرك النظام جيداً أن عهد “الاحتجاجات القانونية” قد ولى، وأن المجتمع الإيراني دخل مرحلة “الانفجار”؛ انفجار لا يمكن كبحه بالمشاريع الصورية.

كهريزك: رواية الأنفاس الخفية بين الموتى

تتجلى الأبعاد المروعة لهذا القمع في التقارير الميدانية الواردة من معتقلات مثل “كهريزك”. توثق السجلات الحقوقية كيف أن جلادي النظام، تنفيذاً لنهج التصفية الجسدية للمصابين، باتوا يخشون حتى الأجساد شبه الحية. الرواية الصادمة لشاب جريح تظاهر بالموت هرباً من “رصاصة الرحمة”، وبقي يتنفس داخل الأكياس البلاستيكية المخصصة للجثث لمدة ثلاثة أيام وسط الشهداء، ستبقى وصمة عار لن يمحوها التاريخ.

لكن هذه القسوة تقابلها ملاحم بطولية؛ فتلك الأم الشجاعة التي صرخت “الموت لخامنئي” وهي محاطة بـ الوحدات الخاصة” وقوات “الحرس” في قلب المنطقة الأمنية في كهريزك، تجسد ولادة جيل جديد لا يهاب الردى؛ جيل لخصت موقفه فتاة في السابعة عشرة من عمرها بقولها: «لقد وجدنا طريقنا للتو».

جنيف: من الإدانة إلى “توثيق الجريمة

دولياً، سُجل يوم 23 يناير 2026 كفصل جديد من العزلة المطلقة للنظام. جلسة مجلس حقوق الإنسان الطارئة في جنيف، وبقرارها الحاسم (25 صوتاً مؤيداً مقابل 7 معارضين)، نقلت ملف القمع في إيران من “إجراء أمني” إلى حرب ضد المواطنين”.

كشفت تقارير السيدة سارة حسين، رئيسة بعثة تقصي الحقائق، وفولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، عن استخدام “أسلحة هجومية ورشاشات ثقيلة” ضد المتظاهرين الأعزل. يتحدث العالم الآن بلغة قانونية دقيقة عن “التعذيب النفسي”، “العنف الجنسي”، و”جرائم ضد الإنسانية”. حتى تكتيك “التعتيم المطلق” وقطع الإنترنت لم يفلح في منع الإجماع العالمي؛ فمن كوريا الجنوبية إلى فرنسا، أجمع الكل على مبدأ واحد: نهاية حقبة الإفلات من العقاب لحكام طهران.

الخلاصة: تكتكات ساعة الرحيل

إن كلمات فولكر تورك بأن «القتل في الشوارع ربما توقف، لكن القمع مستمر»، تحمل في طياتها حقيقة عميقة: الهدوء الحالي ليس استقراراً، بل هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. النظام، بلجوئه للرشاشات الثقيلة والإعدامات، لم يفعل سوى زيادة حجم الكراهية والإرادة لدى المجتمع.

اليوم، تحولت إيران إلى ساعة كبرى تنذر تكتكاتها بقرب الانفجار النهائي. يواجه النظام أزمة وجود، والمجتمع الدولي لم يعد ينطلي عليه زيف رواياته. لقد أثبتت انتفاضة يناير أن المعادلة بين الغالبية الشعبية والأقلية الحاكمة قد وصلت لمرحلة اللاعودة؛ وهي مرحلة تنتهي حتماً ببزوغ فجر الديمقراطية على أنقاض الفاشية الدينية.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تحل في الرابع والعشرين من حزيران الذكرى الثانية والخمسون لتطبيق مشروع الحزام العربي العنصري، الذي بدأ نظام البعث بتنفيذه عام 1974 بموجب القرار رقم (521)، استنادا إلى المخطط الشوفيني الذي وضعه محمد طلب هلال عام 1962، والذي استهدف الوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان سوريا، وسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يخدم السياسات القومية العنصرية للنظام على حساب الحقوق التاريخية…

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر شعبنا في كردستان سوريا ذكرى تنفيذ أحد أخطر المشاريع القمعية والتمييزية التي تبنّاها النظام البعثي البائد، والمتمثّل بـ”مشروع الحزام العربي” في محافظة الحسكة. فبعد مرور 52 عاماً على انطلاق هذا المشروع الاستيطاني، الذي استهدف تغيير البنية السكانية والديموغرافية للمنطقة الكردية ، عبر إقامة شريط استيطاني بعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود…

عبد الرحمن كلو قراءةٌ تحليلية في مفارقةٍ استراتيجية: لماذا يشتدّ الضغطُ على إقليم كوردستان في ذروة ضعف خصومه؟ تَفترض القراءاتُ السياسية التقليدية أن تراجعَ قوّة المحور الإيراني — لا سيّما بعد الحرب الأخيرة، والضغطِ المتصاعد على أذرعه في العراق ولبنان واليمن، وتجفيفِ السيولة المالية لميليشياته — يُفضي تلقائيًّا إلى صعود حلفاء الغرب في المنطقة. ووفقًا لهذه المعادلة، كان المتوقَّع أن…

شادي حاجي في كل موسم حصاد تقريباً، يتكرر المشهد نفسه في محافظة الحسكة: حقول تحترق، ومزارعون يركضون خلف النيران بوسائل بدائية، وخسائر تتراكم في واحدة من أهم المناطق الزراعية في سوريا. الجديد ليس وقوع الحرائق، بل استمرار عجز الجهات المسؤولة عن منعها أو التعامل معها بالسرعة والكفاءة المطلوبتين. ما يحدث لم يعد مجرد حوادث موسمية متفرقة يمكن تبريرها بالظروف الجوية…