القضية الكردية في الإعلام العربي: كيف نصنع التأثير بدل الضجيج؟

جلال مرعي

يُعدّ حضور القضية الكردية في الإعلام العربي عاملاً حاسماً في تشكيل وعي الرأي العام ، كما يشكّل مدخلاً أساسياً للتأثير في مواقف النخب السياسية وصنّاع القرار. فالقضايا العادلة، مهما كانت مشروعيتها الأخلاقية والتاريخية، لا تشقّ طريقها تلقائياً إلى الوعي العام، بل تحتاج إلى خطاب إعلامي متزن، قادر على تقديمها بلغة عقلانية، وربطها بالقيم المشتركة التي يتقاطع حولها العرب والكرد،وجميع الأقوام الأخرى وفي مقدمتها العدالة، وحقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وانطلاقاً من هذه الأهمية، فإن الظهور الإعلامي الكردي في المنصات العربية لا يمكن التعامل معه باعتباره تعبيراً فردياً أو مساحة للتنفيس العاطفي، بل بوصفه تمثيلاً رمزياً لقضية شعب بأكمله. فالكلمة في الإعلام لا تؤثّر في المتلقي العادي فحسب، بل تصل أيضاً إلى دوائر التأثير السياسي، وتُسهم، إيجاباً أو سلباً، في رسم صورة القضية في أذهان صانعي السياسات.

إلا أن المشهد الإعلامي العربي شهد في السنوات الأخيرة بروز بعض الخطابات الكردية التي ابتعدت عن هذا الدور، واتجهت نحو لغة انفعالية، قائمة على الشعارات العالية والمبالغات، مع إغفال تعقيدات الواقع السياسي والإقليمي. هذا النمط من الخطاب، رغم ما قد يحققه من انتشار سريع أو إثارة آنية، يفتقر إلى القدرة على بناء قناعة مستدامة، سواء لدى الرأي العام أو لدى النخب المؤثرة.

بل إن هذا الخطاب غالباً ما يأتي بنتائج عكسية، إذ يقدّم القضية الكردية بوصفها قضية صدام وانفعال، لا قضية حقوق مشروعة لشعب عانى طويلاً من الإقصاء والإنكار. وبدلاً من أن يُسهم في توسيع دائرة التعاطف، فإنه يضيّقها، ويمنح خصوم القضية فرصة لتشويهها والطعن في عدالتها، عبر اختزالها في صورة نمطية تفتقر إلى العمق الحقوقي والإنساني.

وتكمن خطورة هذا الخلل الخطابي في أنه لا يضعف التأثير الإعلامي فحسب، بل يحدّ أيضاً من فرص التأثير في مواقف صناع القرار، الذين يميلون، بطبيعتهم، إلى التفاعل مع الخطاب القائم على الوقائع، والحجج القانونية، واللغة الهادئة القابلة للترجمة إلى سياسات ومواقف. فحين تغيب العقلانية، وتُستبدل الحجة بالصوت المرتفع، يصبح من الصعب إدراج القضية ضمن أولويات النقاش الجاد على المستويين السياسي والدبلوماسي.

في المقابل، تثبت التجارب التاريخية أن الرأي العام ، وكذلك النخب السياسية، يتجاوبون بشكل أكبر مع الخطاب المتزن، الذي يقدّم القضايا بوصفها جزءاً من معركة أوسع من أجل الكرامة الإنسانية والعدالة. ومن هنا، فإن فاعلية الخطاب الكردي لا تكمن في حدّة اللغة، بل في قدرتها على بناء سردية عقلانية، تُخاطب العقل قبل العاطفة، وتحوّل التعاطف إلى قناعة، والقناعة إلى موقف.

ومن الضروري التأكيد أن هذه الإشكالية لا تعبّر عن مجمل الخطاب الكردي، ولا تختزل النخب السياسية والثقافية الكردية. فثمة أصوات مسؤولة وواعية نجحت في تقديم نماذج رصينة في الحوار مع الإعلام والرأي العام العربي، وأسهمت في بناء جسور فهم قائمة على المعرفة والاحترام المتبادل. غير أن المشكلة تكمن في أن الأصوات غير المنضبطة غالباً ما تكون الأعلى حضوراً إعلامياً، ما يمنحها تأثيراً يتجاوز حجمها الحقيقي.

إن معركة الكرد اليوم ليست معركة استعراض أو مواجهة خطابية، بل معركة مشروعية ووعي وتأثير. وهي معركة طويلة الأمد، تُكسب بالتراكم، وبناء الثقة، وتقديم القضية الكردية بوصفها قضية إنسانية عادلة، لها جذور تاريخية وأبعاد قانونية واضحة. ومن هنا، تقع مسؤولية أخلاقية وسياسية كبيرة على عاتق من يتصدّر المشهد الإعلامي الكردي، في إدراك أن الخطاب المتزن ليس خياراً تكتيكياً، بل شرطاً أساسياً للتأثير في الرأي العام وصنّاع القرار على حدّ سواء، وأن سوء الخطاب قد يكون أحياناً أكثر ضرراً من غياب الخطاب نفسه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…