أكرم حسين: المرسوم رقم (13) يلبي جانبا من المطالب التاريخية للشعب الكردي في سوريا..

ملف «ولاتى مه» حول المرسوم الجمهوري رقم (13) .. رأي الأستاذ اكرم حسين:

ضمن ملفه الخاص حول المرسوم الجمهوري رقم 13، يواصل موقع « ولاتي مه» في نشر الآراء والقراءات حوله.. وضمن هذا السياق قدم الكاتب والسياسي الكردي أكرم حسين مقالا تحليليا يتوقف فيه عند دلالات المرسوم وسياقه السياسي، وما يحمله من إشارات اعتراف بالهوية الكردية، مقابل ما يعتريه من قصور بنيوي يحول دون اعتباره حلا متكاملا للقضية الكردية في سوريا. ويسلط حسين الضوء على متطلبات الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى المعالجة الجذرية عبر مسار سياسي ودستوري شامل، يضمن الحقوق القومية ويؤسس لشراكة وطنية حقيقية في سوريا المستقبل.

=========

قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 20٢٦

اكرم حسين

يشكل اصدار المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 والمتعلق بالحقوق الثقافية والمدنية “للسوريين الكرد” تطوراً ذا دلالة في الخطاب الرسمي، وذلك في توقيت حرج تلا احداث محلية واقليمية بارزة كأحداث الاشرفية والشيخ مقصود . حيث يعد هذا المرسوم نقلة من مرحلة التجاهل او الانكار الرسمي للهوية الكردية الى الاعتراف الصريح بها كجزء اصيل من النسيج الوطني السوري، وهو ما يمثل تحولاً ايجابياً ولو بشكل اولي . غير ان التقييم الحقيقي لهذا المرسوم وقيمته الفعلية لا يمكن ان يكون بمعزل عن سياقه التنفيذي والمسار السياسي الشامل الذي يندرج تحته. فالمطلوب هو الانتقال من هذه الخطوة “القانونية – الرمزية” الى سياسة دولة شاملة تترجم هذا الاعتراف الى واقع معاش. بهذا المفهوم، يمكن ان يكون المرسوم اساسا للبناء عليه ونقطة انطلاق نحو حل شامل، الا انه لا يشكل بنفسه حلاً كاملاً للقضية الكردية في سوريا، ونجاحه مرهون بكونه محطة في مسار سياسي اوسع يعتبر الملف الكردي قضية وطنية تتطلب معالجة جوهرية، وليس مجرد قضية ادارية او امنية كما كانت تعامل في العهود السابقة.

يلبي المرسوم، بشكله الحالي، جانباً من المطالب التاريخية للشعب الكردي في سوريا، وخاصة في الجانب الرمزي والاعترافي وبعض الجوانب المدنية المتعلقة بأثار احصاء عام 1962 الجائر، وهو بذلك يقر ضمنياً بوقوع ظلم تاريخي ويتوجه لمعالجته. لكن القضايا الجوهرية الاعمق تبقى خارج اطار هذا المرسوم وتحتاج الى معالجة مستقبلية في اطار حوار وطني شامل، وابرزها: اقرار الحقوق القومية للشعب الكردي دستورياً، وضمان تمثيله السياسي العادل على جميع المستويات، واعتماد اشكال من اللامركزية الادارية او السياسية (كالإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي ) ليتسنى للكرد من ادارة شؤونهم المحلية في مناطقهم. الى جانب ذلك، تعد معالجة ملف “الحزام العربي” وتصحيح الاختلالات الديموغرافية الناجمة عنه، وتعويض المتضررين، ورد الاعتبار للمناطق التي طالها التغيير القسري، من القضايا الحساسة العالقة. كما ان اصلاح المناهج التربوية والسردية الوطنية لتشمل الاسهام الكردي كجزء عضوي من تاريخ سوريا وهويتها التعددية ركناً اساسيا لبناء الذاكرة الجمعية المشتركة ، ويبقى ضمان المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وازالة اي تمييز في القانون او الممارسة، والمشاركة الكاملة في بناء الدولة والمؤسسات، هدفاً رئيسياً لتحقيق المواطنة الحقيقية.

ولضمان الا يتحول الاعلان عن اللغة الكردية كلغة وطنية الى اجراء شكلي، لا بد من ترجمته عملياً عبر اليات واضحة، اهمها: العمل على جعل اللغة الكردية لغة رسمية في الدستور السوري الجديد، او على الاقل لغة رسمية ثانية في المناطق ذات الاغلبية الكردية. مع الانتقال الفعلي من تدريسها كحصص اختيارية هامشية الى ادخالها كمنهاج اساسي في تلك المناطق، مرفوقاً بتأهيل المعلمين وتطوير المناهج التعليمية الخاصة بها، وفتح مدارس وجامعات تدرس باللغة الكردية في المراحل المختلفة ، وعلى النخب الثقافية والسياسية الكردية ان تقوم بدور فاعل في هذا السياق، من خلال تشكيل هيئات ولجان مختصة (تربوية، اكاديمية، قانونية) لمتابعة التنفيذ واقتراح اليات عملية فعالة. كما يجب العمل على توحيد الجهود وتقديم رؤية واضحة ومتفق عليها حول متطلبات تعزيز اللغة وحمايتها ، ومن الاهمية بمكان الانفتاح على المجتمع السوري بأكمله، لنشر الثقافة واللغة الكردية كثرى يغني الهوية الوطنية السورية المشتركة ويقوي نسيجها .

– مسؤولية بناء الثقة وتعزيز الوحدة الوطنية:

ان بناء الثقة بين جميع مكونات الشعب السوري يتطلب جهداً متوازناً ومشتركاً من جميع الاطراف. فالدولة المركزية هي المسؤول الاول عن خلق البيئة الامنة لهذا البناء، وذلك عبر: الاقرار الدستوري والحماية القانونية للحقوق القومية والثقافية للكرد ولكافة المكونات الاخرى. مع التنفيذ العملي العادل للمرسوم والقوانين اللاحقة دون تمييز، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض ضد اي مكون، وترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية. كما ان فتح حوار وطني صريح وشامل حول شكل الدولة المستقبلية ونظام الحكم فيها يعد خطوة حاسمة لتجاوز الماضي. في المقابل، تكمن مسؤولية القوى السياسية الكردية في: توحيد الخطاب والمطالب بقدر الامكان، وتقديم رؤية واضحة للشراكة الوطنية تتجاوز المطالب الفئوية. والانفتاح الفاعل على باقي مكونات الشعب السوري، وبناء تحالفات وطنية حول قضايا العدالة والديمقراطية واعادة الاعمار. اضافة الى تعزيز السلم الاجتماعي في المناطق التي لها نفوذ فيها، ونبذ اي خطاب انعزالي او تطرفي ، والمشاركة الايجابية والفاعلة في اي مسار سياسي شامل يهدف لتأسيس عقد اجتماعي جديد يداوي  جميع جروح البلاد.

وفي كل الحالات، يمثّل المرسوم الرئاسي رقم (13) نافذة وفرصة حقيقية ينبغي عدم اهمالها او تضييعها. الا ان قيمته الحقيقية لاحقاً ستقاس بمدى قدرته على ان يكون مدخلاً ومحفزاً لحل سياسي عادل وشامل، يقر بالكرد كشريك مؤسس في سوريا المستقبل، وليس مجرد مواطنين من الدرجة الثانية.

ان سوريا الجديدة والمستقرة تتطلب شجاعة في الاعتراف بالتعددية، وحكمة في ادارة الاختلاف، وعدالة في توزيع السلطة والثروة  ، وهو الطريق الصحيح لتحقيق الاستقرار الدائم والوحدة الحقيقية التي تتسع للجميع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…