صلاح عمر
في لحظةٍ سياسية دقيقة، تتقاطع فيها المسارات الإقليمية مع الاستحقاقات الداخلية، وتُعاد فيها صياغة موازين القوة والشرعية في سوريا ما بعد الأسد، يجد الشارع الكردي نفسه أمام مشهد بالغ التعقيد، تختلط فيه الوعود بالهواجس، وتتصارع فيه المشاريع على تمثيل الإرادة الكردية ومستقبلها السياسي.
ففي أعقاب توجيه حكومة دمشق المؤقتة دعوةً رسمية إلى المجلس الوطني الكردي في سوريا لزيارة العاصمة دمشق في أقرب وقت، بغرض تقديم تطمينات وضمانات تتعلق بتثبيت الحقوق القومية الكردية في الدستور السوري المقبل، بدا واضحًا أن هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ. فالمجلس، رغم كل ما مرّ به من إضعاف وتهميش ممنهج، ما زال يمتلك ثقلاً سياسياً حقيقياً، وقاعدة جماهيرية واسعة في المناطق الكردية، إضافة إلى شرعية سياسية نابعة من تمثيله التاريخي والوطني للقضية الكردية ضمن الإطار السوري العام.
غير أنّ المفارقة السياسية الصادمة تمثّلت في الخطوة الاستباقية التي قامت بها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث وصل وفد رفيع المستوى بقيادة مظلوم عبدي إلى دمشق، قبل ساعات فقط من الموعد المعلن لزيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو. زيارة لا يمكن فصلها عن السياق الدولي والإقليمي، ولا عن محاولات كل طرف تثبيت موقعه التفاوضي قبل أي تحوّل استراتيجي محتمل.
وفق المعطيات المتداولة، يهدف وفد قسد إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق 18 كانون الثاني/يناير، والذي يتضمن عملية اندماج عسكري ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتقديم أسماء مرشحين من قسد لشغل مناصب سيادية حساسة، من بينها مناصب عليا في وزارتي الدفاع والخارجية، إضافة إلى منصب محافظ الحسكة. كما ينص الاتفاق على عودة مؤسسات الدولة الرسمية إلى مناطق شمال وشرق سوريا، ولا سيما تلك المرتبطة بإدارة الموارد النفطية والمعابر الحدودية.
في المقابل، يمنح الاتفاق محافظة الحسكة صيغة من اللامركزية الإدارية، مع تعهّد ببقاء الجيش السوري بعيدًا عن التواجد داخل المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية، على أن يُسند الملف الأمني فيها إلى قوى أمنية محلية من أبناء المنطقة، تتبع رسميًا لوزارة الداخلية السورية.
نظريًا، قد تبدو هذه الترتيبات مقبولة في ظاهرها، أو حتى قابلة للنقاش، إلا أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في النصوص وحدها، بل في الشرعية السياسية لمن يفاوض، ومن يقرر، وباسم من.
هنا، يدخل الشارع الكردي في حالة حيرة مشروعة. عينٌ تتجه إلى دمشق، تراقب ما ستؤول إليه دعوة المجلس الوطني الكردي، وهل سيُسمح له فعلاً بلعب دوره الطبيعي كشريك سياسي لا كضيف بروتوكولي. وعينٌ أخرى تبقى شاخصة نحو قامشلو، حيث يُحتجز ما يُسمّى بـ“الوفد الكردي” في غرفة إنعاش سياسية مفتوحة منذ انبثاقه من كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي، في نيسان2025، بفعل إصرار قسد على تهميشه، وتجاوزه، وقطع الطريق أمام أي محاولة جدية لاستعادة وحدة التمثيل السياسي الكردي.
إنّ ما تقوم به قسد اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن خشيتها العميقة من عودة المجلس الوطني الكردي إلى الواجهة، واستعادة ثقته بالشارع الكردي. فذلك يعني، عمليًا، سحب البساط من تحت مشروع فقد خلال السنوات الأخيرة جزءًا كبيرًا من زخمه، ليس فقط بسبب الانكسارات العسكرية والسياسية المتلاحقة، بل نتيجة فشل مشروعه “الأمة الديمقراطية ” و ” أخوة الشعوب ” في تقديم إجابة واقعية وعادلة على السؤال القومي الكردي في سوريا.
لقد أثبتت التجربة أن تجاوز الإرادة الشعبية، واحتكار القرار، وفرض التمثيل بالقوة، لا يمكن أن يُنتج مشروعًا مستقرًا أو شرعية دائمة. كما أثبتت أن القضية الكردية في سوريا ليست ملفًا أمنيًا، ولا ورقة تفاوضية عابرة، بل قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، ويطالب بحقوقه القومية المشروعة ضمن دولة ديمقراطية تعددية لا مركزية.
إنّ أي تسوية سياسية حقيقية، وأي اتفاق قابل للحياة، لا يمكن أن ينجح ما لم يُبنَ على الشراكة السياسية الكردية – الكردية أولاً، وعلى الاعتراف بتعددية التمثيل، واحترام إرادة الشارع الكردي، لا القفز فوقها أو الالتفاف عليها.
نحن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي:
إما أن يُستعاد القرار الكردي إلى أصحابه الطبيعيين عبر مرجعية سياسية جامعة،
أو أن يُعاد إنتاج الوصاية بشكلٍ آخر، وبأدواتٍ جديدة، لكن بالنتائج الكارثية ذاتها.
والتاريخ، كما أثبت مرارًا، لا يرحم من يفرّط بحقوق الشعوب حين تُمنح له لحظة الاختيار.