صلاح بدرالدين
نحن نتكلم عن الإرث الذي خلفته الأجهزة الأمنية السورية في الاوساط الحزبية الكردية زمن نظام الاستبداد البائد وبشكل اخص في عهد الضابط – المخترق رئيس المخابرات العسكرية – محمد منصورة – ، منذ اكثر من ثلاثين عاما ، وعن ماجلبته جماعات – ب ك ك – معها منذ نحو خمسة عشر عاما من تشكيلات ، وخلايا ، وفرق سرية ، وعن أصناف من المخابرات الدولية التي توزعت بكل سوريا وضمنها المنطقة الكردية منذ اندلاع الثورة السورية عام ٢٠١١ ، نتكلم عن بث أفكار ، وشعارات غريبة شعبوية ، وتعبد الفرد ، وتحول الحزب من وسيلة الى هدف ، تنطلق من اجندة خارجية بدل الالتزام بمصالح الكرد السوريين ، تفرض النمط العسكريتاري بديلا عن طبيعة النضال السلمي الجماهيري المدني لحركتنا ، تحاول إعادة كتاب تاريخ شعبنا بمافيه تبديل أسماء حتى المقابر بمايتناسب مع تاريخ – حزب – قام مؤسسه بحله بعد ان فشل لاربعين عاما ، تعمل على تغيير مايتعلق باالشانين القومي والوطني ببدائل مضادة لفكر الحركة الوطنية الكردية السورية التاريخية .
نتكلم عن مظاهر الثورة المضادة ومنها افراد من النخب المتعلمة غير المحصنة نضاليا ، وفكريا ، وثقافيا ، استسلموا امام المغريات ، وركضوا وراء المصالح الخاصة ، وانصاعوا للاوامر دون اعتراض ، وانجرفوا في سيول الشعبوية ، وعبادة الفرد ، وامام صدى الشعارات المغالية والمتطرفة .
لقد كان وراء كل حاكم فاشي اكثر من منظر – آيديولوجي – ، واذا كانت الثورات التحررية ، او الاجتماعية ، والديموقراطية لها مرشدوها في الجانب النظري ، فكانت للثورات المضادة مثلهم ، ويرينا التاريخ الأمثلة الكثيرة كيف هزت الدعوات الشعبوية الحماسية الدينية او المذهبية او العصبية القومية على شكل التشكيلات الميليشيات العسكرية او التنظيمات المغلقة ليس مشاعر العامة فحسب بل جرفت النخب الثقافية معها أيضا .
غالبية المثقفين الالمان وقفوا في ثلاثينيات القرن الماضي الى جانب الحزب النازي وزعيمه هتلر خلال الموجة الفاشية المتصاعدة ، والخطاب الشعبوي القومي العنصري الذي ساد وانتشر بوسائل الاعلام ، ولابد من إيجاد ذريعة مبررة ، وقد تكون في الحالة الألمانية الدافع الظاهر في ذلك هو الانتقام للاذلال الذي تعرضت لها المانيا بعد الهزيمة النكراء بالحرب العالمية الأولى ، وذلك لم يمنع تراجع معظمهم ، وممارسة النقد الذاتي ولكن بعد فوات الأوان .
خلال فترة تواجدي في لبنان تعرفت على العديد من القيادات الشيوعية ، واليسارية ، وبعد سنوات علمت ان الكثير منهم انحازوا الى المنظمات المذهبية ، وتحولوا مسؤولين عسكريين ، وسياسيين في كل من حزب الله ، وحركة امل الشيعيتين . والذريعة الظاهرية متوفرة وقد تكون بتلك الحالة الانتقام من اسرائيل .
لذلك ماأكثر الاقوال المأثورة حول ان هناك فروقات بين مثقفي الثورة ، ومثقفي الفورة .
الايجدر في مثل هذه الظروف الاستثنائية الحذر الشديد من إضاعة البوصلة والوقوع بالافخاخ ؟ والخشية من ان تحول ( القوى الخفية من سائر الأطراف ) القضية الكردية السورية من قضية عادلة مشروعة تتعلق بشعب الى مادة ( فكاهية في صراع الديكة ) ، او مسرحا للخطابات العنصرية ، فالمراكز المتصارعة حول السلطة والنفوذ وكل شيئ ماعدا القضية الكردية لديها قوى هائلة ، ووسائل اعلام ، وفضائيات ، واموال ، بإمكانها تجييش الساحات ، والهاب المشاعر لتصب بالنهاية لمصالح فئوية خاصة ، واضافة تعقيدات جديدة امام مسار النضال الكردي ، وكذلك امام العملية السياسية الوطنية برمتها .
وقد تتوضح الحقيقة ولو بعد حين ان الخطاب الإعلامي الهجومي العنصري السائد الان لايعبر عن سوريا الحرة النقيض لنظام الاستبداد المقبور ، وان بعض الأصوات ” الكردية ” المرتفعة اما ان تكون موجهة بايقاع منتظم من مركز حزبي معين ، او مجرد ردود فعل عابرة تصب في مجرى الوقت الضائع ، ولاتعبر عن الحقيقة الكردية السورية .
.البعض من المثقفين الكرد السوريين ، وبشكل اخص العاملون بمجال الصحافة ، والكتابة، باتوا يرددون خطاب ( قسد ومسد والمسميات الأخرى التابعة فكريا ، وسياسيا لحزب العمال الكردستاني – تركيا ) وذلك بذريعة مواجهة الإعلاميين الشوفينيين ، المتعصبين الناكرين لحقوق الكرد الذين يناصرون العهد الجديد على الفضائيات .
الى جانب ضرورات العودة الى توفير شروط الحوار الجاد مع دمشق ، وتعبيد الطريق نحو المؤتمر الكردي السوري الجامع المنشود ، وشرطه الأول هو تنفيذ اتفاق ( ١٨ – ١ – ٢٠٢٦ ) ( العسكري – الأمني – الإداري – المالي ) مع دمشق بشكل سلمي ، لابد من خطاب اعلامي وطني هادئ ، يتقبل الاخر المختلف قوميا ، ودينيا ، ومذهبيا ، ويمهد السبيل للحوار والمصالحة والعيش المشترك في ظل سوريا الجديدة التعددية التشاركية ، كما لابد من يقظة النخب الكردية السورية ، والانتباه الشديد لعدم الاندفاع المتسرع جراء استفزازات تصدر من هنا وهناك ، وعدم الوقوع في مصيدة الباحثين عن اثارة الفتنة ، فبالنهاية لدينا قضية قومية ووطنية عادلة يجب عدم العبث بها او المس باستراتيجيتها ، او محاولة تغيير اتجاهها في لحظات – الفوران – ، ونعيش في وطن مشترك زال عن كاهله الاستبداد ، وامامنا الوقت الكافي للحوار والتفاهم ولابد من ذلك بنهاية الامر .