مصير الكرد في سوريا بين مهل السلطة وتخلي الحلفاء

جنكيز حمدوش

في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا يكون الخطر الاكبر ناتجا عن ضغط الخصوم بقدر ما يكون وليد الارتهان للوقت والوعود المؤجلة. هذا بالضبط ما يواجهه الكرد اليوم في شمال شرق سوريا، في ظل المهل التي تمنحها السلطة لقوات سوريا الديمقراطية، وتراجع التزامات حلفائها في التحالف الدولي.

ان هذه المهل لا يمكن قراءتها بوصفها فرصة سياسية متكافئة، بل هي جزء من سياسة ادارة الوقت بانتظار نضوج الظروف لفرض امر واقع. فالسلطة لا تقدم خلالها اي تصور واضح لشراكة وطنية او اعتراف دستوري، بل تطالب بتنازلات مسبقة تحت عناوين وحدة الدولة والسيادة، دون تقديم اي ضمانات مقابلة. وفي هذا السياق، تتحول المهلة من مساحة تفاوض الى اداة استنزاف سياسي ونفسي، يطلب خلالها من الطرف الكردي تقديم اوراقه واحدة تلو الاخرى.

اما الموقف الدولي، فهو واضح: حليف الحاجة لا حليف المصير. فالتجربة الكردية مع التحالف الدولي، رغم اهميتها العسكرية في مواجهة داعش، اثبتت حقيقة ثابتة مفادها ان هذا التحالف ليس ضامنا سياسيا، بل شريكا ظرفيا تحكمه اولويات متبدلة، في مقدمتها محاربة الارهاب، والحفاظ على توازنات اقليمية حساسة، خصوصا مع تركيا، وتجنب اي التزام طويل الامد بقضية حقوقية معقدة. ومع تراجع خطر داعش، تراجع الاهتمام السياسي، واقتصر الدعم على الحد الادنى الامني، تاركا قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة ضغوط متزايدة دون غطاء دولي حقيقي.

لكن الخطر الاكبر يكمن في الخلط بين قوات سوريا الديمقراطية والقضية الكردية. فربط مصير قضية شعب تاريخية بقوة عسكرية، مهما بلغ دورها، يشكل احد اخطر الاشكالات الراهنة. فالقوة العسكرية تبقى اداة، بينما القضية الكردية هي قضية شعب وحقوق تاريخية ودستورية. هذا الخلط يسمح للخصوم بتصوير اي مطلب كردي على انه ابتزاز عسكري، وتلعب دول اقليمية دورا بارزا في تضخيم هذا الخطاب، ما يضعف شرعية المطالب الكردية امام المجتمع الدولي، ويمهد لتهيئة ظروف تعيد فيها سوريا انتاج مركزيتها، ولو بشكل تدريجي.

ان التحدي الاساسي اليوم هو الانتقال من منطق الاستفراد بالقرار السياسي الى مشروع سياسي واضح وجامع. فالخلل ليس في عدالة القضية، بل في ربط المصير الكردي بايديولوجيات عابرة لا تمت للواقع بصلة. نحن امام لحظة مفصلية نتيجة الضغوط المتزايدة التي تمارس بحق الكرد، فاما البقاء اسرى احتكار القرار من قبل قوى عسكرية او حزبية دون تفويض شعبي، مع غياب خطاب موحد يميز بين حقوق الكرد وصراعات المحاور، واما الذهاب نحو وحدة الخطاب والكلمة، وقبول الاخر، واستقلالية القرار السياسي.

لان سقوط الحماية الخارجية يكشف مباشرة الفراغ السياسي، وامام هذا الواقع تتبدد السيناريوهات المحتملة بين اندماج قسري، امني ومؤقت، مقابل خسارة المشروع الكردي في ظل غياب دعم دولي، او مواجهة مفتوحة تؤدي الى استنزاف الطاقات دون افق سياسي.

ان مصير الكرد لا يجب ان يحدد بمهلة تمنح تحت الضغط، ولا بتحالف وظيفي يتراجع عند اول اختبار سياسي. الرهان الحقيقي يجب ان يكون على تحويل القوة العسكرية المؤقتة الى مشروع سياسي مستدام، وعلى الادراك بان ما لا ينتزع سياسيا اليوم، لن تمنحه الوقائع العسكرية غدا. فالقضية الكردية اكبر من اي تنظيم، واعمق من اي تحالف، وابقى من اي مهلة.

27.01.2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

صبري رسول تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها. لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…