وحدة الصف والقرار الكوردستاني: من إرادة الشارع الى مرجعية وطنية جامعة

سليمان سليمان 

 

في هذه المرحلة الحساسة والمفصلية من تاريخ شعبنا الكوردي، لا بد من توجيه كلمة صريحة ومسؤولة إلى كل من ما زال يصر على تحويل النقاش الوطني إلى ساحة تصفية حسابات شخصية أو حزبية، وإلى بعض أصحاب الأقلام التي تستثمر في الانقسام بدل أن تكون جزءًا من لحظة الوعي المتقدمة التي يعيشها الشارع الكوردي اليوم.

إن الانشغال بالأشخاص، أيا كانت أسماؤهم أو مواقعهم، لا يخدم قضيتنا، بل يستهلك طاقتنا ويبعد البوصلة عن جوهر الصراع الحقيقي.

فقضيتنا، في جوهرها، ليست قضية أفراد ولا صراع أسماء أو مواقع، وليست معركة هذا القيادي أو ذاك، بل هي قضية شعب وحق وأرض ومستقبل. وأي محاولة لحصرها في إطار شخصي أو حزبي ضيق تضعف القضية وتسيء إليها، خصوصًا في وقت نحن فيه بأمس الحاجة إلى خطاب وطني جامع، لا إلى مزيد من التشظي والانقسام.

لقد علمتنا التجربة التاريخية، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن قوة الشعب الكوردي لم تأتِ يومًا من الاستنجاد بالخارج، ولا من وعود القوى الدولية التي خذلت الكورد مرارًا عندما تعارضت مصالحها مع حقوقهم. كانت قوتنا دائمًا نابعة من وحدتنا، ومن إرادتنا الحرة، ومن تضحيات شهدائنا، ومن شجاعة نسائنا ورجالنا، ومن شعب قرر ألا يكون تابعًا لأحد.

من هنا، فإن وحدة الصف الكوردي اليوم ليست خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، بل ضرورة وجودية لا غنى عنها.

وقد أثبتت تحركات الجماهير الكوردية، التي كسرت الحدود المصطنعة وأربكت الخصوم وأرعبتهم أن الشارع الكوردي سبق في وعيه كثيرًا من حسابات القيادات السياسية، وأن الإرادة الشعبية باتت أكثر نضجًا من منطق المصالح الضيقة. هذه الوحدة الشعبية تمثل اليوم أحد أهم عناصر القوة الكوردستانية، ولا يجوز التفريط بها أو إضعافها بخطاب داخلي متشنج أو انقسامي.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى مرجعية كوردستانية جامعة تتحمل مسؤولية القرار الوطني، وتحمي وحدة الموقف، وتترجم إرادة الشارع إلى سياسة واضحة. وهنا تبرز هولير، بما تمثله من ثقل سياسي وتاريخي ورمزي، لا كأداة هيمنة أو إقصاء، بل كقلب جامع للقرار الكوردستاني، ومنصة تلاق وطني تسهم في توحيد الصف، وحماية المكتسبات، وتعزيز القرار الكوردي المستقل.

وفي هذا السياق تحديدًا، تبرز مسؤولية المنابر الإعلامية والمواقع الإلكترونية الكوردية، التي يفترض أن تكون عامل توحيد لا أداة تأجيج. فالتشهير، والتخوين، واستهداف الشخصيات والقيادات الكوردية، حتى لو كانت هناك أخطاء أو مسؤوليات قائمة، ليس هو الطريق الصحيح في هذه اللحظة الحرجة.لذلك على هذه المنابر الإعلامية عدم نشر مقالات مسمومة وفيها شماتة تهاجم بعض الشخصيات  او الاحزاب لاننا لسنا في مرحلة محاكمات إعلامية ولا تصفية خلافات، بل في مرحلة تتطلب ضبط الخطاب، وتأجيل الخلافات الداخلية، واحترام التباين، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبار آخر.

إن تحميل شخصيات أو أحزاب كوردية بعينها كامل مسؤولية ما يجري اليوم، عبر مقالات مسمومة أو حملات تشهير، لا يخدم إلا أعداء كوردستان، ويهدد وحدة الصف في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى التماسك. فالتاريخ لن يرحم من يضيع هذه اللحظة أو يساهم في إضعاف الجبهة الداخلية.

من هنا، تصبح الحقيقة التي لا تقبل التأويل واضحة:

كوردستان فوق الأحزاب، فوق المصالح الشخصية، وفوق كل الحسابات الضيقة.

كوردستان ستبقى قوية ما دام أبناؤها موحدين،

وستبقى أقرب إلى الحرية ما دمنا نضعها فوق كل شيء.

بوركتم وبوركت تضحياتكم وشجاعتكم،

نساءً ورجالًا، صغارًا وكبارًا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

صبري رسول تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها. لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…