مصطفى عبد الوهاب العيسى
قبل أن تُكمل ثورتنا الحقيقية السلمية عامها الأول ، انجرف قسمٌ كبير من نخبها السياسية – أفراداً وأحزاباً – نحو خطابات شوفينية وعنصرية ، ولا مجال اليوم للخوض في دور الدول الفاعلة في الملف السوري آنذاك ، والتي أسهمت في جر هذه النخب إلى تبني شعارات وخطابات مقيتة أطالت من عمر النظام السابق ، وكان لها أنصارٌ على أرض الواقع .
لاحقاً ، استمرت الثورة السورية ، واتخذت مسارات وتيارات متعددة سياسياً وعسكرياً حتى خفت صوت الخطاب الوطني الجامع إلى أدنى مستوياته ، ولم يبقَ متمسكاً بهذا الخطاب ومبادئه سوى قلة قليلة من الثوار الذين آمنوا به ودافعوا عنه طيلة أربعة عشر عاماً ، وكانوا على يقين راسخ بأن السوريين سيدركون يوماً أهميته ، وسيعلمون أن الحل يكمن في الوطنية السورية ، ولا شيء غيرها .
اليوم ، تشعر النخب السياسية الوطنية – أفراداً وأحزاباً – بانتصار رؤاها وخطابها الذي دافعت عنه طوال هذه السنوات بعدما شهدت كيف تتنافس القوى الفاعلة على الأرض وتتصارع ، والكل يدَّعي امتلاك الخطاب الوطني الجامع والرؤية الوطنية .
ما يهمُّنا ، ودون إطالة ، هو القناعة التي توصل إليها السوريون – حكومةً وشعباً – بأن الحل في سورية يتمثل في إقامة دولة وطنية جامعة تحتضن جميع السوريين تحت سقف الوطن .
نعم ، من المضحك والمثير للسخرية أن نرى من هاجم خطابنا الوطني طيلة عقدٍ ونصف يتبناه اليوم ويدعو إليه ، لكن من دعا إلى هذا الخطاب بصدق يهمه أن يتبناه السوريون ويلتزموا به ، لا أن يتصدر الشاشات الإخبارية أو يلاحق “الترند” .
فالأهم – مرة أخرى – هو انتصار هذا الخطاب وتصدره جميع الخطابات السياسية الأخرى التي لا تزال حتى هذه اللحظة تتبجح بها بعض الفرق السياسية السورية .
أدى غياب الخطاب الوطني إلى خللٍ عميق في بنية الدولة والمجتمع ، وكان السبب الرئيس للهشاشة التي لمسناها في كلٍّ من الحكومة والمعارضة على امتداد هذه السنوات .
إن تغييب هذا الخطاب ، ومحاربة أنصاره ، وإخماد أصواتهم هو ما جعلنا نعاني حتى اليوم من تصدُّر الخطابات الطائفية والفتنوية ، ومن شيوع خطاب الكراهية والتحريض بوصفه بديلاً عنه ، كما أسهم غياب الخطاب السياسي الوطني في تآكل الثقة بالدولة السورية ، بل وفقدانها أحياناً ، وفتح الباب — الذي لا يزال مفتوحاً حتى الآن — أمام التدخلات الخارجية ، ولا سيما الإقليمية منها .
الخطاب الوطني الذي تتبناه اليوم معظم الأطراف ، لا يلغي القوميات ولا الأديان ولا الطوائف في سوريا بقدر ما ينظِّمها في إطار وطني جامع ، ويشكل الحد الأدنى من السيادة المعنوية للسوريين على وطنهم ، كما يخفف من حدة الاحتقان داخل المجتمع بما ينعكس إيجاباً على الحقل السياسي السوري ، ويحوِّل الصراع السياسي إلى تنافس ديمقراطي عبر الانتخابات والأحزاب بهدف البناء والإعمار والتطوير ، وإيقاف تأجيج الصراعات المناطقية والهوياتية . بهذا الخطاب يمكننا أن نفتح نقاشات جادة حول الملفات التي تهم السوريين من دولة القانون والمواطنة إلى العدالة الاجتماعية ، ووصولاً إلى اقتصاد وطني يعيد السوريين المغتربين والمهجرين إلى سوريا .
تفصلنا أيام قليلة إن شاء الله عن التوصل إلى حلول توافقية في جميع المناطق الساخنة ، وعلى امتداد الجغرافيا السورية كاملة ، ومع انتصار الخطاب الوطني وتبني السوريين له اليوم نكون قد قطعنا شوطاً جيداً وبلغنا مستوىً مقبولاً من الاستقرار ، وبالحد الأدنى الذي يتيح لنا المطالبة بعقد مؤتمر حوار وطني حقيقي يرسم ملامح المرحلة المقبلة لسورية وطنية ديمقراطية ، ومن هنا تبرز ضرورة طرح الأسئلة الجوهرية حول الخطوات القادمة ، ولا سيما المتعلقة بالمشاركة السياسية والدستور .