صلاح عمر
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تعود
الأفكار محايدة، ولا تبقى النظريات بريئة من نتائج تطبيقها. فالتاريخ لا يحاكم النوايا، بل يُصدر أحكامه على ما جرى باسمها. ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة فحص بعض المفاهيم التي رُفعت كشعارات تحرّرية، لكنها حين نُقلت من فضاء الفكر إلى ميدان الممارسة، أنتجت واقعًا مغايرًا تمامًا لروحها الأصلية.
إنّ مفهوم «أخوّة الشعوب» أحد هذه المفاهيم التي تستحق وقفة نقدية هادئة، لا بدافع الرفض الأيديولوجي، بل بدافع المسؤولية الفكرية والسياسية، خصوصًا حين يُستدعى هذا المفهوم اليوم لتبرير سياسات وسلطات أثبت الواقع أنها ابتعدت كثيرًا عن أي مضمون تحرّري حقيقي.
أخوّة الشعوب عند بوكتشين: الفكرة في أصلها الفلسفي
من حيث الأصل النظري، لم تكن فكرة «أخوّة الشعوب» عند المفكّر الأمريكي موراي بوكتشين شعارًا سياسيًا جاهزًا، ولا مشروع دولة، ولا أيديولوجيا حزبية. لقد جاءت في سياق نقد جذري للدولة القومية والسلطة المركزية، واقترحت بديلاً يتمثّل في الديمقراطية القاعدية، حيث تنبع السلطة من المجتمع المحلي نفسه، لا من نخبة سياسية، ولا من حزب طليعي، ولا من جهاز أمني أو عسكري.
بوكتشين، بوصفه مفكّرًا وناشطًا مدنيًا غير حزبي، شدّد مرارًا على أن أي مشروع تحرّري يبدأ من فوق، أو يُدار بالسلاح، أو يُفرض عبر حزب قائد، محكوم عليه بالتحوّل إلى سلطة قمعية، مهما كانت شعاراته براقة. ولهذا بقيت أفكاره، في معظمها، ملهمة فكريًا أكثر منها نماذج جاهزة للتطبيق، لأنها تفترض وعيًا مجتمعيًا ناضجًا، وتنظيمًا ذاتيًا حرًا، لا يخضع لوصاية أحد.
من «القومية الثورية» إلى «الأمة الديمقراطية»: لحظة التحريف
الإشكال لم يبدأ مع بوكتشين، بل مع الطريقة التي جرى بها اقتباس أفكاره وإعادة إنتاجها. فعندما تبنّى عبد الله أوجلان بعض أطروحات بوكتشين، لم ينقلها بوصفها فلسفة نقدية مفتوحة، بل أعاد صهرها داخل الإطار الأيديولوجي لحزبٍ مركزي، محتفظًا بكل أدوات القيادة والوصاية، ومضيفًا إليها غلافًا مفاهيميًا جديدًا تحت مسمّى «الأمّة الديمقراطية».
هنا حدث التحوّل الجوهري:
ما كان نقدًا للسلطة، أصبح صيغة جديدة للسلطة.
وما كان دعوة للتحرّر من الهيمنة، تحوّل إلى إدارة للهيمنة بلغة مختلفة.
فالاحتفاظ بحزب قائد، وبمرجعية فكرية مغلقة، وبسلسلة أوامر مركزية، يتناقض بنيويًا مع أي ادعاء بالديمقراطية القاعدية أو الإدارة الذاتية الحرة.
التجربة في روج آفاي كردستان: من الفكرة إلى الممارسة
أما ما طُبِّق في روج آفاي كردستان، فلم يكن تجسيدًا لفلسفة بوكتشين، بل نسخة مؤدلجة مفروضة بالقوة. فقد أُقيم نظام سياسي وأمني تقوده جهة واحدة، وتُدار مفاصله عبر حزب مركزي، مدعوم بأجهزة أمنية، وسجون، وآليات قمع سياسي، وإقصاء منهجي للمعارضين.
هذا الواقع لا يمكن تبريره بالظروف الأمنية، ولا بالحرب، لأن الفكرة التي تُعلَّق على مشجب الطوارئ تفقد قيمتها الأخلاقية والسياسية. فالديمقراطية لا تُبنى بالقوة، والتحرّر لا يُفرض، والمجتمع لا يُدار بالوصاية مهما حسنت النوايا.
وبهذا المعنى، فإن ما جرى في روج آفا لم يكن فشلًا لفكرة طوباوية غير قابلة للتطبيق، بل كان فشلًا ناتجًا عن إساءة استخدام فكرة تحرّرية لتكريس سلطة واقعية.
بين الفكرة وتوظيفها: أين يكمن الفشل الحقيقي؟
إنّ جوهر الإشكال لا يكمن في «أخوّة الشعوب» كفكرة فلسفية، بل في تحويلها إلى أداة سياسية لتبرير الأمر الواقع. فحين تُستخدم المفاهيم لتغطية الهيمنة، وتُستعمل اللغة التحرّرية لتكريس سلطة مغلقة، يصبح الفشل حتميًا، ليس لأن الفكرة خاطئة، بل لأن التطبيق نقيضها.
ولهذا، فإن النقد هنا ليس رفضًا للتعايش، ولا إنكارًا للتنوّع، بل دفاعًا عن حق الشعوب — وفي مقدمتها الشعب الكردي — في مشروع سياسي واضح، يعترف بالهوية، ويصون الإرادة، ويمنع اختزال التحرّر في شعارات تُدار من فوق.
خاتمة
إنّ الأفكار العظيمة تُقاس بمدى وفائها لجوهرها، لا بقدرتها على تزيين الواقع. وما فشل في روج آفاي كردستان لم يكن حلمًا إنسانيًا، بل تحريفًا سياسيًا لفلسفة تحرّرية. فحين تُستخدم المفاهيم لإنتاج سلطة، لا لتحرير الإنسان، تتحوّل من أدوات وعي إلى أدوات هيمنة.
وحده النقد الصريح، والاعتراف بالأخطاء، وإعادة الاعتبار لإرادة المجتمع الحر، يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا يتجاوز الأيديولوجيا المغلقة، ويعيد للفكر دوره الحقيقي: أن يكون في خدمة الإنسان، لا في خدمة السلطة.