٤ أطفال تجمّدوا حتى الموت اليوم في كوباني

سيماف خالد محمد

هذا هو الخبر الذي فتحتُ عيني عليه هذا الصباح، خبرٌ لا يحتاج إلى تحليل، ولا إلى تبرير، ولا إلى جدالٍ سياسي.

أطفال صغار، أبرياء، لا ذنب لهم سوى أنهم كُرد، وُلدوا في منطقة فُرض عليها حصارٌ خانق، بلا ماء، بلا كهرباء، بلا حليب وبلا تدفئة في شتاءٍ قاسٍ لا يرحم.

لم يموتوا في ساحة حرب، لم يكونوا طرفاً في صراع، بل تُركوا ليواجهوا البرد وحدهم، حتى تجمّدت أجسادهم الصغيرة، ووصل الظلم إلى أبشع صوره:

أن يُقتل الطفل بصمت.

أيّ إنسانيةٍ هذه؟

وأيّ ضميرٍ يقبل أن يكون الحصار أداة، وأن يصبح الطفل رقماً، وأن يُختصر الألم في خبرٍ عابر؟

حين تُرمى فتاة من فوق بناية، حين تُحطَّم قبور الشهداء، حين تُقصّ جدائل مقاتلاتنا وحين يُحاصَر الناس في بيوتهم حتى يموت أطفالهم برداً..

فهذا ليس ديناً، ولا أخلاقاً، ولا قيماً، بل وحشية منظّمة تُلبس الجريمة أقنعةً كثيرة وتمنحها ألف تبرير.

ما يحدث اليوم في كوباني، وفي روج آفا، لن يكون صفحة تُطوى، لن يُنسى مع مرور الأيام، ولن يُمحى بالصمت أو التبرير.

دموع الأمهات ليست تفاصيل، وأنفاس الأطفال الأخيرة ليست أرقاماً في تقارير.

هل تظنون أننا سنغفر وننسى؟

هل يمكن لأبٍ أو أمٍّ أن ينسوا أنكم وضعتموهم تحت حصارٍ حتى تجمّد أطفالهم بين أيديهم؟

هل يُطلب من أمٍّ أن تنسى صوت طفلها وهو يرتجف من البرد، أو من أبٍ أن ينسى عجزه وهو يرى ابنه يموت لأنه حُرم من أبسط حقوق الحياة؟

لا… لن ننسى.

لن ننسى لأن النسيان تواطؤ، والصمت اختيار ولأن الذاكرة شاهدة لا يمكن إسكاتها.

ما يحدث اليوم لن يمرّ كما لو أنه لم يكن، سيبقى شاهداً عليكم، وعلى أفعالكم، وعلى كل من رأى الحقيقة وفضّل أن يدير ظهره لها.

التاريخ لا يُكتب فقط بما فُعل، بل أيضاً بما قُبل، وبما سُكِت عنه. دم الأطفال ليس خبراً يُستهلك ثم يُنسى، هي مسؤولية أخلاقية ستظلّ تطارد من صنعها، ومن برّرها، ومن ظنّ أن العالم سينسى.

 

٢٤-١-٢٠٢٦

هولير

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…