إبراهيم اليوسف
لم تبدأ معاناة مدينة كوباني وريفها على إيقاع أصوات الرصاص والقذائف وهدير المدافع وحده، وإنما عبر صمتٍ مفروض، هو أثقل في وظيفته، أو دوره، من كل أشكال القصف. إذ استيقظ الناس على انقطاع الماء قبل أن يسمعوا دوي الرصاص، وحيث انطفأت الكهرباء في البيوت قبل أن تصل الأخباروأسباب العقاب الجماعي، وحيث صار الخبز أول الضالات المفقودة لا آخرها، كي تجيء ثالثة الأثافي، بهدف الإمعان في عزلها عن العالم، عبر قطع شبكة الإنترنت عنها.
هكذا دخلت المدينة في حصارٍ بطيء، لا يقتل ابن المكان دفعة واحدة، بل يستنزف الحياة يوماً بعد يوم. وحقيقة، فإن هذا الواقع اليومي بسيط وقاسٍ في آنٍ معاً. إذ ثمة: خزانات فارغة، مولدات متوقفة، أفران أكثرها مغلق بسبب انقطاع الطحين، وصيدليات بلا أدوية. أمهات تبحثن عن حليب للأطفال، مرضى ينتظرون علاجاً لا يصل، وشيوخ يقفون في طوابير طويلة على أمل الحصول على ربطة خبز أو ليترات ماء. لم يعد السؤال عن الرفاه، بل عن الحد الأدنى من البقاء.
لقد قُطعت المياه والكهرباء والطحين عن المدينة، ومنع دخول المواد الغذائية الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية، وصات الحياة نفسها مهمة شاقة. هذا الواقع لا يمكن تناوله من خلال محض خلل إداري أو ظرف طارئ، وإنما نتيجة إجراء عقابي واضح يستهدف وجود السكان مباشرة، كيف لا والمدني يحرم من الماء، والغذاء، والدواء، ليصبح الحصار أداة ضغط جماعي لا عملية عسكرية، فحسب!
في الوقت ذاته لم يتوقف التهديد الأمني على حدود المدينة. تحت وطأة وظل تحركات عسكرية، وقصف متقطع، طائرات مسيّرة، وخطاب تصعيد دائم. هذا المناخ حوّل الحياة اليومية إلى انتظار دائم للأسوأ. ما يؤثر على المدارس وتعليم التلاميذ والطلاب، وقبل كل ذلك على الأسواق التي قد تُفتح ساعات ثم تُغلق، بينما المنظمات الإنسانية لا يمكن لها الوصول الآمن المنتظم، فيما إذا تحركت، إذ لا يمكن إدخال مساعدات في ظل تهديد مستمر.
وما يزيد ثقل هذا الواقع الأليم أن كوباني ليست مدينة هامشية، عابرة، كما هو معروف ليس على نطاق سوريا والمنطقة، فحسب، بل على مستوى العالم كله. إذ تحمل في ذاكرتها القريبة واقعة مفصلية يعرفها العالم كله. هنا- تحديداً- تحطمت أسطورة تنظيم داعش عندما كان يتمدد من دون كابح أو عائق، وهنا- تماماً- تحولت المدينة الصغيرة إلى خط صدّ كسر صورة التنظيم الذي بدا آنذاك فوق أية هزيمة. آنذاك، كما نتذكر تكبدت كوباني أثماناً بشرية ومادية كبيرة، لكنها خرجت باعتبارها رمزاً للمقاومة المدنية والعسكرية في آنٍ معاً، وصارت اسماً يتردد في نشرات الأخبار بوصفها المدينة التي أوقفت الانهيار.
من هنا يفهم كثيرون ما يجري اليوم باعتباره أكثر من مجرد ضغط عسكري أو تضييق خدمات. إذ يبدو الأمر أقرب إلى تصفية حسابات مؤجلة، بحق مدينة هزمت مشروعاً متطرفاً كبيراً، ألا وهو: تنظيم داعش الإرهابي، وباتت تجد نفسها، الآن، تحت حصار، يطاول الماء، والغذاء، والدواء. كأن الرسالة غير المعلنة تقول:
إن العقاب جاء متأخراً، ولكن على نحو أشد ووجع أكبر، لطالما أنه ليس القصف ليس وحده ما يستهدفها، بل ثمة إنهاك متعمد، مخطط له، للحياة اليومية في عمقها. في صلبها. وبهذا، فإن الحصار الآثم يتحول إلى شكل من أشكال الانتقام البطيء من مكان اكتسب قيمة رمزية تتجاوز حجمه الجغرافي.
وهكذا يتضح لنا جميعاً أن كوباني لا تواجه محض نقص خدمات فحسب، بل إنها تعيش حالة تضييق مرسوم، مبرمج، في ظل تعطيل سلاسل الإمداد الحيوية، واستهداف البنية التحتية الخدمية، وتقييد المجال المدني. هذه الوقائع مجتمعة لا تمس طرفاً عسكرياً، بل تطال السكان- الآمنين- العزل مباشرة، وتدفعهم إلى حالة إنهاك دائم، حيث يتحول الخوف من القصف إلى الرعب المنظم من الجوع والمرض.
ومعروف أنه- وبالاعتماد- على قواعد القانون الدولي الإنساني، فإن تجويع المدنيين، أو حرمانهم من الخدمات الأساسية، أو استهداف وسائل بقائهم، لا يمكن تسويغه تحت أية ذريعة كانت. إذ إن حماية السكان وضمان وصول الإغاثة واجبان لا مجرد خيارين ترفيين، إذ إن فرض الحصار في واقعه ليس إلا وسيلة ضغط، لتحويل المدينة وريفها إلى رهينة، لاحول لها ولاقوه.
كل ما سبق- أعلاه- يترافق، على نحو لحظي، لا على نحو يومي فقط، مع تعميق الشعور المتزايد بالعزلة، في ظل انتظار الأهالي قوافل مساعدات قد لا تصل، ليعتمدوا على مبادرات محلية محدودة، لا تكفي، بعد سنوات من حالة الحرب، وآثار الدمار، والتهجير. وبحسب الأصدقاء- هناك- فإن الأطباء يعملون بما يتوافر بين أيديهم من أدوات، بينما المتطوعون يوزعون ما يقع في أيديهم من مؤن، غير أن الحاجة أكبر بكثير من الإمكانات، طالما إن كل يوم يمرّ يزيد من حجم الفجوة بين ما يستلزم لمواصلة الحياة، في أبسط أشكالها، وما هو متاح فعلياً، من النزر اليسير المشرف على النفاد.
ووسط هيمنة واتساع مساحة حالة القلق التي لا تقتصر على الحاضر، فإنه يخشى من اتساع الحصار، أو تحوله إلى مرحلة أشد وأطول، كما حدث في مدن أخرى. هذا الخوف ينعكس على الأطفال قبل الكبار، على المرضى قبل الأصحاء، وبديهي أن حالة التوتر ستتضخم، في فضاء حرب الترقب والتوتر، وانعدام الأمان والنوم الكافي، والإحساس الفعلي الدائم بأن المدينة والمنطقة محاطتان من كل الجهات.
وبسبب كل هذه الظروف المريرة فإن- كوباني- البطلة، لا تبدو مجرد ساحة اشتباك عسكري تقليدي، وإنما مساحة مدنية تُدار تحت ضغط هائل يفوق التحمل. مدينة تُعاقَب بالجوع والعطش وانقطاع الدواء، كي تُختزل الحياة في ترقب القادم والبحث عن الماء والخبز ونحن- هنا- أمام حالة مجتمع كامل يعيش على الحد الأدنى من شروط العيش.
ما يجري في- كوباني- ليس أزمة عابرة يمكن تجاوزها بالوقت، بل هو وضع إنساني كارثي يتفاقم يوماً بعد يوم. ساعة بعد ساعة. لحظة بعد أخرى. إذ إن كل دقيقة تأخير في رفع الحصار أو إدخال المساعدات تعني مزيداً من تدهور أحوال المرضى الذين هم- في الحقيقة- من دون علاج. تعني مزيداً من إلحاق الأذى النفسي والصحي بأطفال أبرياء من دون حليب أو طعام. ومن المعلوم أنه عندما تُترك مدينة بهذا المكانة الرمزية. بمثل هذا الحجم تحت هذه الضغوط، مجتمعة، متشابكة، فإن الخسارة لا تكون في الخدمات وحدها، بل في الإحساس بالأمان والشروط الدنيا من العيش، وهي محاولة لإعدام مدينة وبشر مدنيين، خدمة لمخططات، لا شأن لهم بها.