السقوط المدوي لأخوة الشعوب

مصطفى جاويش

بعد توقف المفاوضات واستعصاء الحلول السلمية، لجأت حكومة دمشق الى الخيار العسكري لفرض امر واقع على قوات سوريا الديمقراطية، وذلك من خلال فرض حصار خانق على حيي الاشرفية والشيخ مقصود، ثم اقتحامهما بمساعدة قوات البكارة، بعد اختراق امني لقوات قسد سهل عملية الاقتحام وفاجأ القوات المدافعة. وتمت السيطرة على حي الاشرفية دون مقاومة تذكر، فيما انسحبت القوات المدافعة الى حي الشيخ مقصود، حيث ابدي ابناء الحي مقاومة شرسة، الا انهم استسلموا في نهاية المطاف وخرج قسم منهم.

بسقوط الحيين، كانت تلك بمثابة رصاصة الرحمة لمشروع اخوة الشعوب وفلسفة الامة الديمقراطية، وتتابعت بعدها هزائم قوات قسد، وسقطت هالة القوة المتضخمة التي احاطت بها نفسها. عندها ادركت قيادة حزب العمال الكوردستاني حجم الخسارة التي منيت بها، سواء على المستوى العسكري او على مستوى المشروع الفكري والايديولوجي، فلجأت مجددا الى الحاضنة القومية الكوردية.

في المقابل، وقفت حكومة دمشق عند تخوم المناطق الكوردية، مدركة صعوبة اقتحام تلك المناطق التي لجأت اليها بقايا قوات قسد، لما يحمله ذلك من كلفة بشرية وعسكرية عالية، فضلا عن التعاطف الدولي مع الاقليات، والخشية من اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين. هذه الاسباب مجتمعة، اضافة الى ضغوط اقليمية ودولية، دفعت دمشق الى التريث ومنح فرصة للسلام عبر وقف اطلاق النار لفترة قصيرة، وفتح الباب امام اعادة المفاوضات.

واعتقد ان مدة وقف اطلاق النار سيتم تمديدها مرات عديدة، لادراك دمشق ان الصراع مع قسد، والذي انتهى بسقوط مشروع الامة الديمقراطية واخوة الشعوب، يختلف جذريا عن الصراع العربي الكوردي، وما يحمله هذا الصراع من مخاطر جسيمة على سوريا والدول المجاورة. لذلك لا بد من العودة الى طاولة الحوار، واستئناف المفاوضات، للوصول الى حلول سلمية قائمة على الحكمة والعقلانية، وبما يحقق قدرا من الرضا للطرفين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…