شرق الفرات بين احتكار الشراكة وانفجار الهويات: سوريا على حافة اختلال استراتيجي جديد

إبراهيم كابان

 

لم يعد الجدل الدائر حول شرق الفرات مقتصرًا على ترتيبات أمنية أو تفاهمات سياسية عابرة، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لطبيعة الدولة السورية المقبلة، ولشكل الشراكات الدولية التي ستُبنى على أنقاض الحرب. فمحاولات حصر الشراكة الأمريكية بدمشق وتركيا، وإقصاء القوى المحلية التي قاتلت تنظيم داعش، لا تهدد فقط استقرار المنطقة، بل تدفعها تدريجيًا نحو إعادة تشكّل أكثر خطورة، عنوانها تصاعد الهويات الصلبة وانهيار مشاريع التعايش التي رُوّج لها خلال السنوات الماضية.

في جوهر الأزمة، تسعى دمشق إلى فرض معادلة “الشريك الأوحد”، في محاولة لاستعادة السيطرة السياسية دون امتلاك أدوات السيطرة الفعلية على الأرض. هذا المسار لا ينبع من قراءة واقعية لتعقيدات شرق الفرات، بل من منطق مركزي تقليدي يرى في أي قوة محلية منظمة تهديدًا يجب تفكيكه لا شريكًا يجب التفاهم معه. وفي الوقت نفسه، تتحرك تركيا بدافع يتجاوز الاعتبارات السورية، إذ تنظر إلى التجربة الكردية في شمال وشرق سوريا بوصفها خطرًا استراتيجيًا طويل الأمد، وتسعى إلى تحجيمها أو سحقها، مستخدمة خطاب “وحدة سوريا” كغطاء لمصالحها الأمنية الخاصة.

وسط هذا الضغط المزدوج، تجد القوى التي شكّلت العمود الفقري للحرب على داعش نفسها أمام مفترق طرق تاريخي. فقوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية، ومجلس سوريا الديمقراطية، بنت مشروعها خلال السنوات الماضية على فكرة “أخوة الشعوب” والتعايش العابر للهويات القومية، في محاولة لتفادي الصدام مع المكوّنات العربية، ولتقديم نموذج بديل عن الدولة القومية الصلبة. غير أن التهميش السياسي، وغياب الضمانات الدولية، وتصاعد التهديدات الوجودية، بدأت تدفع شريحة متزايدة من المقاتلين الكرد إلى إعادة النظر في هذا الخيار.

هنا يبرز تحوّل بالغ الخطورة: عودة جزء من المقاتلين الكرد إلى أولوية الدفاع عن القضية الكردية بوصفها قضية قومية، والتراجع التدريجي عن مشروع “أخوة الشعوب”. هذا التحول لا ينبع من نزعة أيديولوجية جديدة، بل من شعور عميق بأن المشروع الجامع لم يحظَ بالحماية السياسية اللازمة، وأن الكلفة الكردية كانت الأعلى، فيما تُقطف النتائج لصالح قوى إقليمية ودولية لا تعترف حتى اليوم بدور هذه القوى ولا بحقوقها.

هذا التحول، إن استمر، لن يكون شأناً كرديًا داخليًا فحسب، بل سيعيد رسم الخريطة الاجتماعية والأمنية لشرق الفرات. فالتراجع عن خطاب الشراكة العابرة للهويات سيؤدي حتمًا إلى توترات عربية–كردية، ويقوّض البنية التي حافظت على حدّ أدنى من الاستقرار بعد هزيمة داعش. والأسوأ من ذلك، أن تفكك هذا النموذج سيخلق بيئة مثالية لعودة التنظيمات المتطرفة، التي تتغذى تاريخيًا على الانقسامات والهويات المتصارعة.

الولايات المتحدة، في هذا السياق، لا تواجه مجرد خيار سياسي صعب، بل تتحمل مسؤولية استراتيجية مباشرة. فدفع الشركاء المحليين إلى الهامش، أو تركهم عرضة للابتزاز من دمشق وأنقرة، لا يعني فقط خسارة حلفاء، بل يعني عمليًا دفعهم نحو خيارات أكثر راديكالية، سواء على المستوى القومي أو العسكري. وهذا السيناريو قد يحوّل شرق الفرات من مساحة شراكة نسبية إلى ساحة صراع مفتوح متعدد المستويات.

المعضلة الأساسية أن الأمن في شرق الفرات لا يمكن فصله عن البنية الاجتماعية والسياسية التي تحمله. أي تفكيك للقوى المحلية، أو إضعاف لدورها، سيؤدي إلى فراغ أمني، وصراعات داخلية، وانهيار الثقة بين السكان والجهات الحاكمة. وفي مثل هذا المناخ، لا يحتاج داعش إلى إعادة بناء “دولة”، بل يكفيه نمط تمرد مرن: اغتيالات نوعية، تفجيرات محدودة، ضرب طرق التجارة والطاقة، وابتزاز المجتمعات المحلية المنهكة.

الحل الواقعي لا يكمن في إعادة إنتاج منطق الإقصاء، ولا في فرض شراكة قسرية مع أطراف عاجزة أو غير راغبة في التعددية. الحل يكمن في معادلة شراكة متوازنة تعترف بدور دمشق في إطار سيادي انتقالي، دون أن تلغي أو تُفرغ دور شرق الفرات من مضمونه. شراكة تقوم على ضمانات مكتوبة، وأدوار أمنية واضحة، واعتراف فعلي بالقوى المحلية، مع إشراك حقيقي للعشائر، وبناء مؤسسات أمنية محلية تحمي المجتمع بدل إخضاعه.

الخلاصة أن شرق الفرات لم يعد مجرد ملف أمني أو تفاوضي، بل بات مرآة لفشل أو نجاح أي مشروع استقرار في سوريا. حصر الشراكات، وتجاهل القوى المحلية، ودفع المقاتلين الكرد إلى الانكفاء القومي، لن يبني دولة موحدة، بل سيُسرّع تفككها، ويفتح الباب أمام عودة الفوضى والإرهاب بصيغ أكثر تعقيدًا. الاستقرار لا يُفرض بالإقصاء، بل يُبنى بالاعتراف المتبادل، والشراكة الحقيقية، والضمانات التي تمنع انهيار ما تبقى من توازن هش.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…