مصير الشعوب لا يُقرَّر بالعواطف والشعارات

الدكتور عبدالحكيم بشار
في حادثة جرت معي في أواخر عام 2015، وذلك خلال اجتماعات الهيئة السورية العليا للتفاوض، حيث كنت العضو الكردي الوحيد فيها، دار في أحد الاجتماعات سجال حاد بيني وبين السيد محمد علوش، ممثل جيش الإسلام حينذاك.
وخلال فترة الاستراحة، لاحظت أن المبعوث البريطاني السيد كاريس بايلي قد اجتمع معه لنحو عشر دقائق، ثم جاءني قائلا:
«صديقي الدكتور عبد الحكيم، لقد عرفت ما جرى بينك وبين السيد علوش، وأريدك أن تعرف ما يلي:
إن السيد محمد علوش يحمل عقيدة إسلامية، قد تكون متشددة نسبيا، وهو مقتنع بها بنسبة 100%، ولديك أنت وجهة نظر مغايرة حول شكل الدولة السورية، ونظام الحكم، وحقوق المرأة، وحقوق الكرد. وأنتما الاثنان مقتنعان تماما بوجهتي نظركما، فما هو الحل برأيك؟
— هل بإمكانك أنت أو بإمكان الكرد فرض قناعاتكم على جميع السوريين؟
— أم هل بإمكان السيد علوش فرض قناعاته على جميع السوريين؟ »
وأضاف مستطردا:
«أعتقد أن هذا النمط من التفكير غير مقبول، ولا يمكن تطبيقه عمليا. بالتالي، عليكم جميعا الإقرار بأنكم سوريون، وأن سوريا لكم جميعا. لكن لكلٍّ منكم انتماء آخر وسردية يؤمن بها، فأنت كردي وهو إسلامي، وهذا حق مشروع، والحل هو استمرار الحوار، وتقبل الآخر وفهمه، بعيدا عن العنف ورفض المختلف».
وهنا أذكّر بأن الساحة الكردية في سوريا تعيش حالة عاطفية عميقة، تعتمد على الشعارات والهتافات، حيث تتم مخاطَبة العاطفة لا العقل، وتُطرح شعارات كبرى دون القيام بأي عمل جدي يُذكر، ودون إمكانية حقيقية لتحويل هذه الشعارات إلى واقع، أو حتى توفير أبسط الأدوات اللازمة لذلك.
إنما هو شعار من أجل الشعار، بهدف الحصول على تأييد واسع.
لكن هل هذا هو المطلوب؟ وهل هكذا تُحل قضايا الشعوب؟ .
إن وجود عاطفة قومية صادقة أمر محمود، لكن عقلنة هذه العاطفة ضرورة قصوى، كي لا ندفع بأبناء شعبنا إلى التهلكة.
فمعرفة الجغرافيا التي يعيش فيها الكرد، والتركيبة السكانية المشتركة والمحيطة بهم، والحدود الإقليمية، والإمكانات الذاتية، والظروف الموضوعية، كلها عوامل يجب دراستها بدقة وموضوعية، بقلب دافئ وعقل بارد.
حينها – وفقط حينها – سندرك كيف نضع أقدامنا بأمان، وكيف نسير، وإلى أين نتجه، ومن هم أصدقاؤنا وشركاؤنا الدائمون، ومن هم العابرون.
وحينها سنفهم أن حلفاءنا وشركاءنا وأصدقاءنا هم السوريون، ثم السوريون، ثم السوريون، ثم نفكر بالجوار الجغرافي الثابت الذي لا يتغيّر،
مع إعطاء أهمية كبرى للبعد القومي الحقيقي، الذي قدّم لنا النصيحة والمشورة، وسداد الرأي، والدعم والمساندة والمأوى، والذي يجسّده الزعيم الكردي الرئيس مسعود بارزاني، بخلاف قوى أخرى سخرت كرد سوريا لأجنداتها الخاصة، بعيدا عن المصلحة الوطنية والكردية.
وخلاصة القول:
إن قضايا الشعوب لا تُحل بالعواطف والشعارات، وإنما بالعقل والحكمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
6 شهور

المرحوم المهندس عبدالرحمن ابو هزار شغل مديرا لهاتف محافظة الحسكة ،ومديرا بعدها لشركة التبريد ،ومحطة القطار،كان يقول :في كل اجتماع يقوم أحدهم من العرب ،ويقول :حاطين كوردي علينا.على المكشوف..قال المرحوم (وكانت علاقاته جيدة مع منصورة ):قلت له ماالعمل:رد عليه منصورة (رئيس فرع المخابرات العسكرية ايام الاسد الاب):قدم طلب لحزب البعث وخلصنا….أعدائنا لايقبلون المختلف معهم ….لايختلف هذا العدو ،عربا تركا او فرسا. ….وديمقراكية الشعوب خري على حالها،وإيجاد دولة ديمقراطية مستحيلة…بعد كل انفجار عظيم يتم ترتيب قوانين الطبيعة… ونحن جزء من هذه الطبيعة..وننتظر تفتيت تركيا وايران

اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…