مسعود بارزاني… حين تكون القيادة قدرا

صلاح عمر

تقول الحكمة العربية: من لا كبير له، يشتري له كبيرًا، في إشارةٍ عميقة إلى الحاجة لمن يجسّد الحكمة، ويحمل ثقل المسؤولية، ويذود بإخلاص عن أهله وشعبه في أوقات الشدة. ونحن، والحمد لله، لم نحتج أن نشتري كبيرًا، لأن التاريخ أنجب لنا قائدًا بحجم القضايا الكبرى: مسعود بارزاني.
منذ اندلاع هذه المعركة المفروضة على شعبنا، لم يعرف الرئيس والمرجعية القومية الكردية مسعود بارزاني السكون ساعةً واحدة. لم تهدأ خطواته، ولم تخفت اتصالاته، وهو يطرق أبواب الجميع بلا كلل ولا ملل، مدفوعًا بحكمة رجل دولة، وبمسؤولية قومية لا تعرف الحسابات الضيقة. كان همه الأول، ولا يزال، حماية الشعب الكردي في روج آفا، وصون أمنه، والدفاع عن حقوقه المشروعة في واحدة من أدق وأخطر المراحل التي يمر بها شعبنا.
في هذه اللحظة التاريخية الحساسة، برهن مسعود بارزاني مرةً أخرى أن القيادة ليست موقعًا سياسيًا، بل التزام أخلاقي وقومي، وأن الزعامة الحقيقية تُقاس بمدى الاستعداد لوضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، حتى فوق الذات. لقد تحرك بعمق الإحساس بالمسؤولية التاريخية، مدركًا أن أي تقصير اليوم قد يدفع شعبًا بأكمله ثمنه لعقود قادمة.
وليس هذا الدور طارئًا أو عابرًا، بل امتداد لمسيرة طويلة من المواقف المصيرية. ففي انتفاضة آذار 2004، حين كان شبح المجازر يخيّم على كردستان سوريا، كان صوته حاضرًا وموقفه فاعلًا. وفي حصار كوباني، حين واجهت المدينة خطر الإبادة على يد داعش، كان مسعود بارزاني في قلب المعركة السياسية والعسكرية والإنسانية، حتى انكسر الحصار وبقيت كوباني رمزًا للكرامة. واليوم، في ظل الهجمة التي تشنها قوات تنظيم الدولة السورية على الشعب الكردي، يعود الرجل ذاته ليقف في الصف الأول، مدافعًا عن الوجود والهوية والمستقبل.
إن ما يفعله مسعود بارزاني اليوم ليس مجاملة سياسية، ولا مناورة دبلوماسية، بل واجب قومي نابع من إيمان عميق بوحدة المصير الكردي، ومن قناعة راسخة بأن دم الكردي في روج آفا هو من دم الكردي في هولير ودهوك وقنديل، وأن الكرامة لا تتجزأ.
نسأل الله أن يوفقه في مساعيه، وأن يسدد خطاه، وأن تثمر جهوده أمنًا وأمانًا واستقرارًا لشعبنا، وأن يُكلّل هذا العمل الدؤوب بالنجاح، لما فيه كرامة وحقوق الكرد في سوريا. ففي زمن الالتباس والخذلان، تبقى الحكمة شُعلة، ويبقى القادة الكبار هم صمّام الأمان حين تتكاثر العواصف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…