الشعب الكوردي في سوريا.. رحلة وعي وقوة مقاومة ومخاض مصيري

ماهين شيخاني

في قلب العاصفة السورية التي عصفت بالدولة والمجتمع والإنسان على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً، برزت تجربة مختلفة في مسارها ونتائجها. تجربة شعبٍ انتقل من هامش التهميش التاريخي إلى مركز الفعل والتأثير. 
إنه الشعب الكوردي في سوريا، الذي لم تفرضه الظروف رقماً صعباً في المعادلة السورية فحسب، بل صنع موقعه بوعي سياسي، وتضحيات جسيمة، وخيارات صعبة اتخذها في أكثر اللحظات التباساً.
لقد حوّل الكورد مأساتهم التاريخية إلى مدرسة في الصمود، ومحنتهم إلى وعي سياسي ناضج، وأثبتوا أن الشعوب التي تُمنع طويلاً من حقوقها، حين تتحرك، تفعل ذلك بعقل ومسؤولية لا بردود فعل عبثية.
أولاً: تأسيس الوعي من المطالبة بالحقوق إلى تحمّل المسؤوليات
منذ انطلاقة الحركة السياسية الكوردية المنظمة في سوريا، لم يكن هدفها مجرد رفع شعارات قومية مجردة، بل السعي إلى ترسيخ هوية سياسية مسؤولة، تقوم على الشراكة لا العزلة، وعلى الحقوق المترافقة مع الواجبات الوطنية.
وخلال سنوات الحرب السورية، أظهر الكورد وعياً استثنائياً في إدارة التناقضات، فرفضوا الانزلاق إلى التطرف، وامتنعوا عن تحويل قضيتهم إلى أداة انتقام، وأصروا على احترام التعددية الدينية والقومية، ورفضوا خطاب الكراهية، رغم كل ما تعرضوا له من ظلم وقمع تاريخي.
لقد كان سلوكهم السياسي رسالة واضحة:
الدفاع عن الهوية لا يعني إلغاء الآخر، والمطالبة بالحقوق لا تعني تهديد وحدة الوطن.
ثانياً: قوة التحالف حماية النسيج السوري المتعدد
في منطقة أنهكتها الصراعات الطائفية والمذهبية، قدّم الكورد نموذجاً مغايراً في بناء التحالفات. فلم يترددوا في الانخراط في شراكات سياسية وعسكرية مع قوى عربية وطنية، ومع المكوّنات المسيحية والسريانية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن سوريا لا تُبنى إلا بجميع أبنائها.
لم تكن هذه التحالفات ظرفية أو تكتيكية، بل تعبيراً عن رؤية استراتيجية تقوم على المصير المشترك، وعلى أن قوة أي مكوّن سوري تكمن في استقرار محيطه لا في عزله.
ثالثاً: مقاومة داعش من كوباني إلى الباغوز
تجلّت مكانة الشعب الكوردي بأوضح صورها في المواجهة المصيرية مع تنظيم داعش الإرهابي، حيث شكّل الكورد العمود الفقري في الحرب ضد أخطر تنظيم متطرف عرفته المنطقة والعالم.
كانت كوباني عام 2014 لحظة مفصلية في التاريخ الحديث؛ مدينة صغيرة تحولت إلى رمز عالمي للمقاومة، حيث وقف الكورد، نساءً ورجالاً، في مواجهة آلة القتل الداعشية، وأسقطوا وهم “التنظيم الذي لا يُهزم”، ليس دفاعاً عن مدينتهم فحسب، بل دفاعاً عن الإنسانية جمعاء.
ثم جاءت الباغوز لتكون الخاتمة العسكرية لتنظيم داعش، حيث قدّم الكورد مرة أخرى التضحيات الأكبر، وأنهوا فعلياً أخطر تهديد أمني واجهته المنطقة، نيابة عن العالم بأسره.
ومع ذلك، لم يحوّل الشعب الكوردي هذا الانتصار إلى مشروع هيمنة أو إقصاء، بل تعامل معه كمسؤولية أخلاقية وأمنية لحماية مجتمعه وكل السوريين من عودة الإرهاب.
رابعاً: من مواجهة داعش إلى المجازر الأشرفية والشيخ مقصود
المفارقة القاسية اليوم أن الشعب الذي هزم داعش، وجد نفسه مجدداً هدفاً للعنف، لكن هذه المرة في قلب المدن السورية.
لقد شهدت أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب حرباً حقيقية، تخللتها مجازر وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين الكورد، من قصف وحصار واستهداف مباشر للأحياء السكنية، ما أدى إلى سقوط ضحايا من النساء والأطفال والشيوخ، وتهجير قسري في ظروف إنسانية قاسية.
ما جرى هناك لم يكن اشتباكاً عابراً، بل جريمة موثقة تعكس خطورة الانزلاق نحو صراع قومي مدمر، وتكشف محاولات خطيرة لجرّ سوريا إلى حرب أهلية عربية – كوردية، لن يكون فيها منتصر، بل خرائب ودماء فقط.
إن استهداف المدنيين الكورد في هذه الأحياء، بعد كل ما قدموه في مواجهة الإرهاب، يمثل انتهاكاً أخلاقياً وسياسياً صارخاً، ويهدد السلم الأهلي، ويضرب أي أمل ببناء سوريا جديدة قائمة على العدالة والمواطنة.
خامساً: المخاض المصيري بين النضج السياسي وخطر الانتكاسة
تقف الحركة الكوردية السورية اليوم أمام مفترق تاريخي حاسم. التحديات كبيرة: ضغوط عسكرية، تهديدات أمنية، حصار سياسي، ومساومات دولية قد تجعل من القضية الكوردية ورقة تفاوض لا شريكاً حقيقياً.
هذا المخاض قد يقود إلى أحد مسارين:
-مسار النضج السياسي: تحويل التضحيات والإنجازات إلى مكتسبات دستورية ضمن سوريا ديمقراطية موحدة.
-مسار الانتكاسة: حيث يؤدي الإقصاء والعنف إلى إضعاف المكتسبات وفتح الباب أمام صراعات خطيرة.

رسالة واضحة إلى الداخل والخارج
الشعب الكوردي في سوريا لم يعد هامشاً، ولم يكن يوماً مشروع انفصال أو حرب أهلية. لقد أثبت، بالفعل لا بالشعارات، أنه عامل استقرار، وحامل لمشروع وطني ديمقراطي، وشريك حقيقي في بناء الدولة.
إن حماية الكورد اليوم، ووقف المجازر بحقهم، وضمان حقوقهم، ليست مطالب فئوية، بل شرط أساسي لاستقرار سوريا ومستقبلها.
سوريا الجديدة لا تُبنى بإقصاء من دافع عنها، ولا بمعاقبة من هزم الإرهاب، ولا بتجاهل دماء المدنيين في الأشرفية والشيخ مقصود. النضال لم ينتهِ لكنه دخل فصله الأخطر، والحكمة اليوم هي الفيصل بين مستقبل يُبنى، أو وطن يُستنزف من جديد.
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حذر السيد كفاح محمود، مستشار الزعيم الكردي مسعود بارزاني، في صفحته على منصة “اكس” من خطورة تداول مقاطع فيديو تظهر جرائم قتل وتعذيب وحشي يتم الترويج لها على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن كثيرا منها مفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أو مجتزأ من أرشيف جرائم تنظيمات إرهابية مثل “داعش” و“القاعدة”. وأوضح محمود أن هذه المقاطع تعاد صياغتها بإضافة أصوات وأسماء…

اعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، يوم الثلاثاء، أن الغرض الأصلي من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم “داعش” على الأرض قد انتهى إلى حد كبير، مشيراً إلى أن الفرصة الأكبر للكورد في سوريا حالياً تتمثل بالاندماج في الحكومة الجديدة برئاسة أحمد أشرع لضمان حقوق وأمن مستدامين داخل دولة وطنية سورية معترف بها. وكتب توم باراك…

ملف «ولاتى مه» حول المرسوم الجمهوري رقم (13) .. رأي الأستاذ صديق شرنخي: ضمن ملفه الخاص حول المرسوم الجمهوري رقم (13)، يواصل موقع ولاتى مه فتح باب النقاش مع سياسيين ومثقفين وحقوقيين كرد، لقراءة أبعاد المرسوم ودلالاته السياسية والثقافية.وفي هذه المشاركة، يقدم السياسي الكردي الأستاذ صديق شرنخي قراءة سياسية تحليلية، يربط فيها بين توقيت صدور المرسوم والسياق الإقليمي والدولي، ويتناول…

نارين عمر لماذا النّفير العام من قبل بعض الجهات وفي هذا التّوقيت بالذّات؟ هل تمّت تحضيرات وتجهيزات كافية من قبلهم لاستقبال هذه الأعداد الضّخمة من أبنائنا وبناتنا الذين هم على أتمّ الاستعداد للمواجهة وحماية الشّعب والأرض. ما مصير شبابنا المتجمّعين على الحدود، وبعضهم كسروا الحواجز والأسلاك وتحدوا أشرس قوى عسكرية في المنطقة؟ من سيتكفّل بحياتهم إذا استشهدوا أو…