قسد والشجاعة المتأخرة

زاهد العلواني – القامشلي

 

بعد تدهور وضع قسد وانكشاف حدود مشروعها سياسياً وعسكرياً ، فجأة امتلأت الصفحات بمقالات وبيانات لكتّاب وسياسيين ومحللين أكراد يهاجمون قسد، ينتقدون سياساتها، ويعدّدون أخطاءها وكأنهم اكتشفوها للتو.

السؤال البديهي الذي يفرض نفسه وبشدة : أين كانت هذه الأقلام قبل الكارثة؟

لماذا لم تُسخَّر هذه “الملاحظات العميقة” في وقتها؟

لماذا لم يُحذَّر من سياسات الاستعداء، من الارتهان، من توسيع السيطرة بلا غطاء دولي واجتماعي وسياسي، من عسكرة المجتمع، من قمع المخالفين، من تجنيد الأطفال والنساء، من وهم “أخوة الشعوب” حين كان يُستخدم كغطاء أيديولوجي لا كمشروع واقعي؟

الجواب المؤلم والرد هو : لأن كثيرين اختاروا الصمت “المريح” أو التواطؤ، أو الخوف من التخوين، أو الاستفادة من القرب من “قسد “.

النقد كان ممنوعاً، والتحذير كان يُقابل بالاتهام، وأي صوت مخالف كان يُكسر أو يُهمَّش.

أما اليوم، بعد أن وقعت الواقعة، أصبح النقد آمنًا، بل مطلوباً، سبحان الله .

ما نراه اليوم ليس شجاعة فكرية، بل بطولة بأثر رجعي.

ليس دفاعًا عن الشعب، بل محاولة لغسل الأيدي من فشل كان معروفاً ومسارًا كان واضحاً لكل من أراد أن يرى.

التحذير بعد الانهيار لايحمي أحداً ، والنقد بعد الخسارة لا يعيد ضحية ولا يُصلح قرارًا.

المشكلة لا تتعلق بقسد وحدها، بل بثقافة سياسية كاملة تفضّل التصفيق على المحاسبة، والشعار على الحساب، والولاء الأعمى على الموقف المسؤول.

وما لم يُطرح السؤال الحقيقي الآن من صمت؟

من برّر؟

من خوّن الناقدين؟

فإن السيناريو سيتكرر، والكارثة القادمة ستكون مجرد فصل جديد من كتاب الأخطاء نفسها.

واليوم، الآن لا غدًا، تقع المسؤولية على جميع الكتّاب والمحللين والسياسيين وقادة الأحزاب أن يخرجوا من دائرة المقالات المتأخرة إلى فعلٍ جماعي مسؤول، عبر عقد اجتماع عاجل ( بدون قسد أو من يمثلها ) والخروج بقرار واضح لتغيير المسار، ووأد الفتنة، وتصحيح السياسات، والخروج بقرارات قبل أن تتسع الكارثة.

والله من وراء القصد .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
6 شهور

في رواية خوسيه ساراماغو،العمى،الوحيد ة التي كانت تبصر تظاهرت بالعمى هي الاخرى..وفي النهاية ،نهاية الرواية الجميع يبدأ بالرؤى فجأة ،كما بدأ العمى….

اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…