‫الجذور العميقة لا تقتلع

سليمان سليمان

 

من موقع المسؤولية التاريخية، لا بد من التفكير النقدي وإعادة النظر في بعض المواقف والتجارب القاسية، لأن الألم المشترك لا يلغي حق النقد، بل يجعله ضرورة. فما جرى لم يكن حدثًا عابرًا، بل صدمة عميقة أصابت الجميع دون استثناء. الخسارة واحدة، والوجع مشترك، ولا مجال للتعامل مع ما حدث بمنطق التشفي أو تسجيل النقاط. ومع ذلك، فإن الصمت هنا ليس حيادًا، بل تخل عن واجب أخلاقي وسياسي تجاه الدماء التي سفكت، وتجاه مستقبل لم يحسم بعد.

ما جرى يجب أن يكون محطة مراجعة جادة، لأن الشعب الكوردي، عبر تاريخه الطويل، دفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه وبناته، دون أن تتحول كل التجارب القاسية إلى دروس سياسية راسخة. الخطر الحقيقي لا يكمن في الهزيمة بحد ذاتها، بل في تكرار الأخطاء نفسها، وفي إضاعة التضحيات عبر إعادة إنتاج السياسات ذاتها التي قادت إلى الخسارة.

لقد أثبتت أكثر من تجربة أن التعويل المفرط على الآخرين، وتقديم الغريب على القريب، كان في كثير من الأحيان مدخلًا مباشرًا للخذلان. قوى وشعوب قاتل من أجلها الكورد، ودافعوا عن شعارات العيش المشترك والحرية العامة، تخلت تلك الشعوب والقوى في لحظات الاختبار الأولى عن التزاماتها، أو قدمت مصالحها الضيقة على أي شراكة حقيقية. هذه ليست أحكامًا أخلاقية أو انفعالية، بل وقائع سياسية متكررة، لا يمكن تجاهلها أو تبريرها بحسن النوايا.

ومع ذلك، فإن كل هذه الخيانات والجرائم لم تنجح يومًا في كسر إرادة الشعب الكوردي أو اقتلاعه من أرضه. فالكورد أقوى من كل محاولات الإقصاء، لأن جذورهم ضاربة في عمق كوردستان. وكلما حاول أعداؤهم اقتلاعهم، عادوا من جديد، لا لأنهم لا ينكسرون، بل لأنهم يعرفون كيف ينهضون. دماء الشهداء لم تكن يومًا نهاية، بل كانت بذورًا في هذه الأرض، غير أن هذه البذور لا تؤتي ثمارها تلقائيًا، بل تحتاج إلى وعي سياسي يحمي معناها من التبديد، ويمنع تحويل التضحيات إلى رأسمال عاطفي أو حزبي عابر. فالأرض التي تروى بدماء أبنائها لا تكون عقيمة، لكنها تحتاج إلى من يحسن زراعتها بالوعي والتنظيم.

هذا لا يعني رفض التعايش أو الدعوة إلى القطيعة مع الآخرين. على العكس، فالتعايش خيار إنساني وضرورة واقعية، ونحن لا نرفض من يعيش معنا بأمن وسلام. لكن التجربة تفرض علينا التمييز بين التعايش الواعي، وبين الثقة المطلقة التي تتحول إلى غرور سياسي أو سذاجة قاتلة. العلاقات لا تبنى على النوايا الحسنة وحدها، بل على الضمانات، والتوازن، والمصالح الواضحة، والاحترام المتبادل.

من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى العودة نحو الصف الكوردي، ومد اليد إلى أبناء الجلد الواحد، وترتيب البيت الكوردي من الداخل. وحدة الكورد، والقدرة على تقديم التنازلات المتبادلة، وبناء مشروع كوردستاني قائم على أسس كوردية واضحة، لا على رهانات خارجية متقلبة، تبقى الخيار الأكثر أمانًا في عالم لا يعترف إلا بمن يملك قوته الداخلية ورؤيته المستقلة.

التاريخ الكوردي حافل بالتجارب القاسية: من ثورات باكور كوردستان، إلى ثورة سمكو شكاكي، إلى جمهورية مهاباد في روجهلات، إلى اتفاقية الجزائر 1975 بين صدام حسين وشاه ايران والتي انعكست سلبا على ثورة أيلول ولكن الثورة لم تنتهي بل ولدت من رحمها ثورة كولان . المشترك بين هذه المحطات لم يكن فقط الخذلان الخارجي، بل أيضًا غياب استراتيجية كوردية موحدة طويلة الأمد. ومع ذلك، لم يهزم الشعب الكوردي وجوديًا يومًا. بعد كل انكسار، كان يعود أكثر وعيًا وصلابة، لأنه شعب متجذر في أرضه، لا طارئًا عليها.

المعركة لم تنته، وما نعيشه اليوم ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أصعب، تتطلب خطابًا أكثر نضجًا، ووعيًا سياسيًا أعلى، والابتعاد عن الشعارات الفضفاضة والمصطلحات الوهمية. الدرس الذي تكرره التجربة مرة بعد مرة واضح: لا أحد أحرص على مستقبل الكورد أكثر من الكورد أنفسهم.

ترتيب البيت الكوردي، ومصالحة كوردية شاملة، وبناء الثقة بين القوى والمكونات الكوردستانية، هو الخيار الأجدر في هذه المرحلة. هكذا فقط تتحول التضحيات إلى قوة، والألم إلى وعي، والخسارة إلى بداية جديدة.

المجد والخلود لشهداء الحرية والكرامة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الدكتور احمد رشيد مع التقدير لشخص الشيخ أمين كولين، ولحرصه المُعلن على الشأن الكردي العام، لا بد من التوقف عند عدد من النقاط الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها عند قراءة هذه الرسالة. أولًا، إنّ معظم ما ورد من دعوات إلى المراجعة السياسية، وتجديد الخطاب، وتفعيل دور الشباب، وتداول السلطة داخل الأحزاب، ليست أفكارًا جديدة أو مستجدة، بل طُرحت منذ أكثر…

جمال مرعي   منذ سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، ووصول نظام الخميني إلى السلطة، دخلت إيران مرحلة جديدة رفعت فيها شعارات العداء لأمريكا والغرب. سمع العالم على مدى أكثر من أربعة عقود تهديدات متبادلة، عقوبات اقتصادية، وحشود عسكرية، حتى ظن الكثيرون أن سقوط هذا النظام مسألة وقت. لكن الحقيقة التي يراها الجميع اليوم هي أن النظام…

نارين عمر عندما تأسس أوّل حزب كردي في سوريا في غربي كردستان وسوريا في خمسينيات القرن العشرين، وهو ” حزب الدّيمقراطي الكردستاني في سوريا” وجدنا بين صفوفه بعض الشّباب إلى جانب المخضرمين وقد نالوا مناصب القيادة والرّيادة؛ ولكن يبدو أنّ الأمر لم يتكرّر منذ تلك الفترة وحتى وقتنا الحاضر، وإن انضم بعض الشّباب إلى بعض الأحزاب، ونالوا حظوة…

خالد حسو أي شخص أو تيار يعتمد على تحويل هزائمه إلى ما يشبه الانتصارات، ويصنع احتفالات وهمية، ويستفيد من افتعال الأزمات وخلق الانقسامات لإيهام الجمهور وتحميل الآخرين نتائج فشله، لا يمثل قيادة حقيقية ولا ممارسة سياسية مسؤولة. هذه السلوكيات ليست مجرد أخطاء فردية، بل تعكس نموذجًا إداريًا وسياسيًا منهكًا يقوم على التلاعب بالمعلومات واستغلال الثقة العامة لتحقيق مصالح شخصية أو…