في السياسة المصالح اولا واخيرا ولا مكان للاخلاق

سلمان ابراهيم الخليل

منذ سقوط نظام بشار الاسد في أواخر عام 2024 لم تستطع قيادات قوات سوريا الديمقراطية ولا قيادات الاحزاب السياسية الكردية قراءة المشهد الميداني والسياسي للواقع السوري ولا دور المفاعيل الاقليمية والدولية وتشابك العلاقة والمصالح بين هذه المفاعيل خاصة امريكا وتركيا في رسم الخارطة السياسية والعسكرية للدولة السورية الجديدة.

من الواضح ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يعيد تشكيل مقاربة جديدة للسياسة الخارجية في الشرق الاوسط تختلف بشكل جذري عن المقاربات السابقة للسياسة الامريكية. تقوم هذه السياسة على تقليص التدخل العسكري المباشر طويل الامد الى التدخل السريع الحاسم من اجل تحقيق المصالح الاستراتيجية، وهو نهج ينسجم مع فلسفة ترامب القائمة على السلام بالقوة حيث ينظر الى الاستقرار بوصفه نتيجة قدرة طرف واحد على فرض خطوط حمراء لا نتيجة توازنات جماعية.

بينما اصبحت النزعة العدوانية والتقلّب من السمات التي تعرف نهجه الشخصي في الشؤون الخارجية، لا يخشى ترامب كسر الاعراف التقليدية للدبلوماسية وفن ادارة الدولة، وهي اعراف يقول كثيرون انها اعاقت الولايات المتحدة والشرق الاوسط معا على مدى طويل.

واذا ما واصل ترامب السير في هذا النهج غير المألوف، من خلال تبني سياسة خارجية متحفظة تدرك حدود القوة والمصالح الامريكية، بذلك يكون قادرا على دعم زعماء دول المنطقة وهم يعملون على ترسيخ حقبة جديدة من الاستقرار حتى وان كان على حساب الحريات وحقوق الشعوب.

تتضمن عقيدة ترامب الجديدة في السياسة مبدأ التجارة والمصالح بعقلية السمسار لا على التدخل العسكري، ويقوم على مبدأ المعاملات الشخصية، وهو توجه استطاعت دول الخليج الغنية والحاكمة ان تتكيف معه بسهولة. بطبيعة الحال، لما تملكه من ثروات هائلة عقدت من خلالها صفقات مع امريكا بمليارات الدولارات، وكذلك تركيا التي هي الاخرى عقدت صفقات مع ترامب بالمليارات. بالمقابل استطاعت هذه الدول الخليجية وتركيا كسب موقف امريكا بخصوص رؤيتها تجاه سوريا.

لذلك لم يبالي ترامب كثيرا اذا كان هذا التوجه يدعم منطق مشوه يعرف بنظرية الاستقرار الاستبدادي. ونرى بوضوح تجليات هذه السياسة الامريكية في سوريا وكيف انها تدعم الرئيس الانتقالي احمد الشرع ذو الخلفية الجهادية والمدعوم من دول الخليج وتركيا، والذي ارتكبت قواته خلال اقل من سنة المجازر بحق العلويين والدروز. لكن رغم ذلك استقبله ترامب في واشنطن وكال له المديح، وبالمقابل تخلت امريكا عن قسد التي كانت شريكة التحالف في محاربة الارهاب على مدى اكثر من عقد من الزمن، لان احمد الشرع ومن خلفه دول الخليج وتركيا استطاعوا التكيف مع واقع سياسة ترامب التي تدار حسب المصالح وفق منطق السمسار وليس حسب الاخلاق.

بينما قيادات قسد راهنت على شراكتها مع امريكا في محاربة داعش دون النظر الى ان هذه الشراكة كانت شراكة عسكرية آنية دون ضمانات واتفاقات سياسية تنتهي بزوال السبب، اي القضاء على داعش. ولم تستطع هذه القيادات التكيف مع واقع دولي واقليمي ومحلي يعاد تشكيله بالقوة الناعمة احيانا وبالحسم السياسي او العسكري احيانا اخرى.

لذلك كانت خسارة قسد كبيرة في كل الجوانب وخاصة الجانب العسكري والسياسي، لأنها اضطرت في نهاية الامر الى القبول باتفاق امر واقع تخلت فيه عن شرط الاندماج بالجيش ككتلة، وكذلك لم تستطع فرض اللامركزية التي كانت تصر عليها. بمعنى انها اضطرت الى القبول بشروط ظالمة جعلت تضحياتها في محاربة الارهاب على مدى اربعة عشر عاما تضيع هباء منثورا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…