جلال مرعي
لم تكن الأحداث التي شهدتها الأحياء الكردية في مدينة حلب حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالإنكار أو التبرير. ما جرى شكّل صدمة أخلاقية وإنسانية عميقة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول طبيعة الصراع، وحدود العنف، والمسؤولية السياسية والأخلاقية عما آلت إليه الأوضاع. مشاهد التمثيل بجثث الضحايا لم تكن مجرد تفصيل دموي، بل مؤشر خطير على تآكل القيم، وانكشاف هشاشة البنية المجتمعية في ظل غياب العدالة والمحاسبة.
تكمن خطورة هذه الأحداث في أنها لا تقف عند حدود الجريمة نفسها، بل تتجاوزها إلى دلالات أوسع تتعلق بمستقبل البلاد. فهي تعكس فشلًا متراكمًا في إدارة التعددية، وعجزًا عن بناء مقاربة وطنية قادرة على احتواء الخلافات قبل تحولها إلى صدامات دموية. إن التعامل مع مثل هذه الوقائع بوصفها استثناءات أو نتائج عرضية للفوضى، هو في حد ذاته جزء من المشكلة، لأنه يفتح الباب أمام تكرارها في أماكن أخرى وبأشكال أكثر قسوة.
المسؤولية اليوم تقع على عاتق أصحاب القرار، بمختلف مواقعهم، ممن لا يملكون ترف الانتظار أو المراهنة على عامل الوقت. فالأزمات التي تُرحّل لا تختفي، بل تتضخم وتنفجر في لحظات مفصلية. المطلوب مراجعة سياسية جادة، تتجاوز الخطاب الإنشائي، وتعترف بأن السياسات القائمة لم تعد قادرة على منع الانهيار أو ضبط مسارات العنف. مراجعة تعيد الاعتبار للسياسة بوصفها أداة لإدارة الخلاف، لا وسيلة لفرض الأمر الواقع.
في هذا الإطار، تبرز القضية الكردية كأحد الملفات الجوهرية التي لا يمكن القفز فوقها في أي تصور جدي لمستقبل سوريا. فهي ليست قضية ظرفية، ولا مطلبًا فئويًا، بل مسألة حقوق أساسية لشعب يعيش على أرضه التاريخية، ويطالب بالاعتراف بهويته وحقوقه الثقافية والسياسية ضمن إطار وطني جامع. إن تجاهل هذه القضية، أو التعامل معها بانتقائية، لم يؤدِ تاريخيًا إلا إلى تعميق الشعور بالظلم، وتوسيع الفجوة بين الدولة ومواطنيها.
لكن في المقابل، فإن معالجة القضية الكردية لا يمكن أن تتم بمعزل عن بقية المكونات السورية. فالحلول التي تقوم على منطق الغلبة أو الإقصاء، مهما كانت مبرراتها، تزرع بذور صراعات جديدة. العدالة الحقيقية لا تتجزأ، وأي مشروع سياسي لا يضمن المساواة في الحقوق والواجبات، ويحترم خصوصيات جميع المكونات، سيظل مشروعًا هشًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار جدي.
إن ما حدث في حلب يجب أن يكون نقطة مراجعة لا محطة عابرة. مراجعة تعيد طرح الأسئلة الصعبة حول شكل الدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي، وحدود السلطة، ومعنى الشراكة الوطنية. فإما أن يُفتح الباب أمام مسار سياسي يعترف بالتعددية بوصفها مصدر قوة لا تهديد، أو يستمر الانحدار نحو مزيد من العنف والتفكك.
في المحصلة، لا يمكن الحديث عن استقرار أو مستقبل آمن لسوريا من دون معالجة عادلة وشاملة لقضاياها الأساسية، وفي مقدمتها القضية الكردية. فهذه القضية، إما أن تكون جزءًا من الحل الوطني، أو ستظل واحدة من أبرز عناوين الأزمة المفتوحة، بكل ما تحمله من احتمالات مؤلمة.