شعب بلا دولة، ودولة بلا شعب: إشكالية الوجود الكردي في سوريا؟

أكرم حسين 

يكشف الجدل حول توصيف الوجود الكوردي في سوريا إشكالية عميقة، تتأرجح بين رفض مصطلح “الشعب الكوردي” والاكتفاء بـ”مكون” أو “أقلية”، وبين الاعتراف به بضفته شعباً ذا حقوق جماعية. يستند هذا الرفض إلى مقولة قانونية وسياسية تحصر مفهوم “الشعب” في الإطار المؤسس للدولة الوطنية الحديثة ذات السيادة والمواطنة المتساوية، وبالتالي لا يوجد سوى “الشعب السوري” الواحد. لكن هذا التصور ينطوي على تناقض جوهري، فهو يفترض مسبقاً وجود دولة وطنية سورية مكتملة المعايير، متجاهلاً التساؤل حول مدى تحقق هذه الصفة واقعياً.

من الناحية التاريخية، لم تولد سوريا الحديثة نتاج عقد اجتماعي طوعي بين مكوناتها، بل تشكلت بوصفها كياناً وراثياً للحدود الإدارية العثمانية التي أعيد رسمها بموجب المصالح الاستعمارية. سعى النظام السياسي الناشئ بعد الاستقلال إلى “تطبيع” هذه الجغرافيا عبر مشروع قومي عروبي أحادي، لا عبر مشروع تعاقدي جامع. وهكذا، افتقد هذا الكيان إلى أسس الدولة الوطنية الشاملة القائمة على شرعية مستمدة من رضا جميع مكوناتها، والمساواة القانونية، والاعتراف الدستوري الصريح بالتعددية.

لقد تجلت هيمنة النموذج الأحادي في سياسات ممنهجة نفت عن الكورد صفة المواطنة المتساوية، بدءاً من حرمان عشرات الآلاف من الجنسية في إحصاء 1962، مروراً بمنع اللغة والثقافة الكورديتين، وصولاً إلى سياسات التغيير الديموغرافي كما في مشروع “الحزام العربي”. في هذا السياق، يصبح سؤال إمكانية الحديث عن شعب سوري واحد سياسياً، بينما جزء منه مُجرَّد من أبسط مقومات المواطنة، سؤالاً مشروعاً يكشف الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع.

تظهر هنا مفارقة كبرى، فالخطاب الذي يحرّم مصطلح “الشعب الكوردي” يفترض وجود دولة وطنية عادلة هي في الحقيقة غائبة أو مشوهة، وبغياب هذا الأساس، يفقد الحظر المفروض على التسمية مبرره المنطقي، و في هذا الفراغ الناتج عن غياب الدولة التعاقدية العادلة، يطفو واقع التعدد الإثني والثقافي بوصفه الحقيقة السياسية الأساسية.

في هذا السياق “اللادولتي”، يصبح الاعتراف بوجود “شعوب متعددة” داخل الجغرافيا السورية – بما فيها الشعب الكوردي – توصيفاً دقيقاً للواقع ومدخلاً علاجياً لأزمته. فمفهوم “الشعب” هنا لا يعني بالضرورة المطالبة بدولة منفصلة، بل هو اعتراف بوجود كيان اجتماعي متميز له إرادة جماعية وحقوق تتراوح بين المطالبة بالمساواة الكاملة داخل إطار دولة ديمقراطية لامركزية، وصولاً إلى حق تقرير المصير في حال استمرار التهميش.

وبالتالي، فإن الاعتراف بالشعب الكوردي هو اعتراف بإرادته الجماعية وحقه السياسي، وهذا لا يتناقض مع “وحدة سوريا” إلا إذا فُهمت الوحدة بمعنى الاستيعاب القسري والإذابة. أما الوحدة المستدامة فهي التي تُبنى على الاختيار الحر والمساواة في الكرامة والحقوق.

الطريق الوحيد نحو بناء “شعب سوري” سياسي حقيقي في المستقبل يمر بالضرورة عبر الاعتراف بالشعوب والقوميات الأخرى وحقوقها، وهذا يتطلب الانتقال إلى نموذج “الدولة الديمقراطية التعددية اللامركزية”، التي تكون اتحاداً وطنياً طوعياً يقوم على المواطنة الحرة والمساواة. في هذه الدولة، يعترف الدستور صراحة بالتعددية، وتكون المواطنة المتساوية إطاراً جامعاً يحمي الخصوصيات عبر ضمان الحقوق الجماعية، كحق استخدام اللغة الأم في التعليم وإدارة الشؤون المحلية عبر حكم ذاتي، والمشاركة العادلة في مؤسسات السلطة.

من هنا ، فإن رفض مصطلح “الشعب الكوردي” يستند إلى وهم وجود دولة وطنية سورية مكتملة بالفعل. تفكيك هذا الوهم يكشف أن المشكلة الحقيقية هي في الواقع السياسي المأزوم المنتج لعقود من الاستبعاد والاستبداد، وبالتالي فإن إعادة بناء سوريا الحديثة تتطلب التأسيس على أسس جديدة: الحرية والعدالة، والمساواة، والاعتراف الدستوري الصريح بالتعددية، وعلى هذه الأسس يمكن أن تقوم سوريا لكل السوريين، حيث يتحول “الشعب السوري” من شعار إقصائي أجوف إلى حقيقة تعاقدية حية ومشتركة.

=========

رووداو

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…