حين يُكمَّم الصوت الكردي ويُفتح المنبر للمحرِّض

صلاح عمر

 

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون القرارات الإدارية تفاصيل عابرة، بل تتحول إلى مواقف سياسية وأخلاقية تُحسب في سجل التاريخ، إما لصالح القضية أو ضدها. وما يجري اليوم في ملف الإعلام داخل روژآڤاي كردستان وعموم شمال وشرق سوريا، ليس شأناً تقنياً ولا إجراءً تنظيمياً، بل جرحاً مفتوحاً في جسد الوعي الكردي، يستدعي المكاشفة لا المجاملة، والنقد لا الصمت.

إلى الجهات المسؤولة عن ترخيص ومنع المؤسسات الإعلامية:

هل نحتاج فعلاً إلى هز ضمائركم كي تدركوا فداحة ما تفعلون؟

هل يُعقل أن تُغلق الأبواب في وجه قنوات كردية مثل روداو وكردستان 24، وهما من كانتا الصوت الأعلى عالمياً في نقل مأساتنا، وتعرية جرائم أعدائنا، والدفاع عن عدالة قضيتنا بلا مواربة ولا تردد؟ قنوات لم تكن مجرد وسائل إعلام، بل كانت جزءاً من معركة الوعي، وخندقاً متقدماً في حرب الرواية، حين كان كثيرون يصمتون أو يساومون.

ليس خافياً على أحد أن هناك إجماعاً كردياً عاماً، سياسياً وشعبياً، على ضرورة عودة هذه القنوات إلى الساحة الإعلامية في مناطقنا. إجماع نابع من إدراك عميق بأن معركتنا ليست فقط بالسلاح، بل بالكلمة، بالصورة، وبمن يملك المنبر. فكيف يُقابل هذا الإجماع بقرارات إقصاء، وكأن الصوت الكردي بات عبئاً يجب التخلص منه؟

والأكثر فداحة، بل الأكثر إيلاماً للكرامة القومية، أن تُمنح في المقابل التراخيص لقنوات مثل الجزيرة، التي لم تُخفِ يوماً دورها التحريضي والتخويني ضد قوات سوريا الديمقراطية، ولا عداءها الصريح لكل ما هو كردي. قناة لعبت دوراً وظيفياً في تشويه نضالنا، وتبنّت سرديات أعدائنا، ووفّرت منبراً مفتوحاً لكل من يشكك في تضحياتنا وحقنا في الوجود. أي منطق هذا؟ وأي بوصلة سياسية تسمح بأن يُكمَّم الصوت الكردي، ويُفتح المجال لمن يطعننا في الظهر صباح مساء؟

وحين تتسرّب الأحاديث عن أن السماح للجزيرة جاء بعد تدخلات شخصية ومحسوبيات إعلامية، وعن توظيفات مشبوهة لا علاقة لها بالمصلحة العامة ولا بالقضية القومية، فإن الأمر لا يعود مجرد خطأ إداري، بل يتحول إلى فضيحة أخلاقية وسياسية. فالقضية الكردية ليست شركة خاصة، ولا الإدارة الذاتية ملكاً لأفراد أو شبكات مصالح، بل هي أمانة في أعناق من يدّعون تمثيل هذا الشعب.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:

من هم هؤلاء الذين يتخذون قرارات عبثية تمس مصير قضيتنا وقوميتنا؟

وبأي حق يُختزل مستقبل الوعي الكردي بحسابات ضيقة، ويُضحّى بثقة الشارع الكردي مقابل رضا قنوات معادية؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي تجربة سياسية هو أن تنفصل عن وجدان شعبها، وأن تخطئ في تقدير أعدائها وأصدقائها. فالإعلام ليس ترفاً، ولا هامشاً يمكن العبث به، بل هو ساحة صراع لا تقل شراسة عن الجبهات العسكرية. ومن لا يحسن إدارة هذه الساحة، يفتح ثغرات قاتلة في جدار قضيته.

هذه ليست دعوة للعداء مع أحد، ولا لإقصاء أحد، بل هي دعوة لاستعادة البوصلة. دعوة لأن يكون المعيار هو مصلحة الشعب الكردي وقضيته، لا المجاملات، ولا الأوهام، ولا الحسابات الشخصية. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والوعي حين يستيقظ لا يعود إلى النوم.

افتحوا المجال للإعلام الكردي الحر، أعيدوا الاعتبار لمن وقف معنا في أحلك الظروف، وأغلقوا المنابر التي تتغذى على تشويه نضالنا. فالقضية التي تُفرّط بصوتها، تبدأ أولى خطوات خسارتها… دون أن تشعر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…