عندما تكون مرتزقا. لا بد أن تتغابى.اسعد الزعبي نموذجا

خوشناف سليمان

ليس مستغربًا أن يصدر هذا الخطاب عن ضابط سابق في جيش البعث الأسدي المهزوم.  أسعد الزعبي
فمن تشكلت عقيدته على الطاعة العمياء وقمع البشر. لا يمكنه أن يفهم معنى الدولة إلا بوصفها جهاز قمع.
لكن الفضيحة السياسية والأخلاقية تكمن في محاولة عقد مقارنة بين سوريا الممزقة اليوم. التي تدار بعقلية الميليشيا والتكفير وإلغاء الآخر. وبين ألمانيا الاتحادية الديمقراطية. الدولة التي ولدت من رماد النازية لتكون نقيضها التام.. دولة قانون. لا دولة دم.
ألمانيا دولة فيدرالية حقيقية. لكل ولاية حكومتها وبرلمانها وخصوصيتها الثقافية والإدارية. وتربط الجميع منظومة دستورية حيّة تتجدد بإرادة شعبية عبر البرلمان. لا عبر بيانات عسكرية ولا فتاوى دموية. القضاء مستقل. والضمان الاجتماعي حق مصون. ولهذا تحولت ألمانيا إلى ملاذ لملايين البشر الهاربين من دول الاستبداد. لا بحثًا عن الرفاه فقط. بل عن الكرامة.
في ألمانيا. التعدد ليس خطرا بل قيمة دستورية. الدولة تشجع المكوّنات على الحفاظ على لغاتها وثقافاتها وهوياتها. ولا تمارس سياسة الصهر القسري. الكردي. والعربي. والسرياني. والأرمني. وغيرهم. يتمتعون بالحماية القانونية. وبحق التعليم بلغاتهم. وبالمشاركة السياسية متى نالوا الجنسية وفق القانون. لا وفق الولاء ولا الانتماء الأمني.
وهنا جوهر الفارق الفاضح..
النموذج الذي يدافع عنه أمثال هذا الضابط هو نموذج إنكار المكوّن الكردي وقمعه تاريخيًا. من الإحصاء الاستثنائي عام 1962. إلى مشروع الحزام العربي. إلى منع اللغة الكردية. وتجريم الاسم والهوية. وحرمان مئات الآلاف من الجنسية، ثم الحديث الوقح عن / وحدة وطنية /.
أي دولة هذه التي تبنى على اقتلاع شعب من أرضه. وتجريده من اسمه. ومحو لغته. ثم تطالب بالولاء؟
وأي مقارنة يمكن عقدها بين دولة تحمي التعدد وتديره بالقانون. وبين سلطة لا ترى في الكردي إلا تهديدا دائما. ولا في العربي إلا أداة تعبئة. ولا في السرياني أو الأرمني إلا تفصيلاً يمكن تجاهله أو شطبه؟
ما يطرح اليوم على أيدي جماعات متطرفة ومن يدور في فلكها ليس مشروع دولة. بل مشروع إخضاع:
بيع للأرض. وانتهاك للكرامة. وإلغاء للقوانين. وفرض / الشرعية / بالسيف. / والتوبة / بالقتل. / والطاعة/ عبر المجازر. بما في ذلك قتل الأطفال لإرهاب المجتمع بكامله.
الدولة لا تبنى بكسر الرقاب.
ولا تحمى بإنكار الكرد وسحق المكوّنات.
ولا توحد عبر الاستبداد باسم الدين أو الأمن.
ومن عاش عمره في خدمة الطغيان.
سيعجز بطبيعته عن فهم معنى الدولة الحديثة.
وسيجد دائمًا نفسه في موقع العداء لكل نموذج يفضح كذبه.
ويكشف أن مشكلته لم تكن يوما في المقارنة.
بل في الحقيقة ذاتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…