عدنان بدرالدين
تنطلق هذه القراءة من فرضية تحليلية قابلة للنقاش، لا من حكم تاريخي نهائي ولا من ادعاء امتلاك مسار الأحداث المقبل. مفاد هذه الفرضية أن ليس كل نظام يواجه غضبًا شعبيًا واسعًا يكون بالضرورة على حافة السقوط، ولا سيما إذا كان هذا النظام لا يستمد وجوده أصلًا من شرعية شعبية كي يخسرها. في الحالة الإيرانية، يبدو أن السلطة قائمة على منطق مختلف، منطق يضع نفسه خارج العلاقة التعاقدية مع المجتمع، ويستند إلى شرعية فوق – سياسية تُعرّف نفسها بوصفها دينية أو إلهية، أي سابقة على المجتمع ومتجاوزة لإرادته. ضمن هذا الإطار، لا يصبح سؤال الرضا الشعبي مركزيًا بقدر ما يصبح سؤال السيطرة، وضبط المجال العام، ومنع تشكّل بديل سياسي جامع.
وفق هذه الفرضية، لا يُعد القمع الواسع أو القتل أو قطع الإنترنت مؤشرًا تلقائيًا على أزمة وجودية وفق منطق النظام، بل يُنظر إليه بوصفه ممارسة وظيفية تُبرَّر باعتبارها دفاعًا عن “الدين” أو “الثورة” أو “النظام”. الاحتجاج لا يُقرأ كحق سياسي مشروع، والمعارضة لا تُفهم كتنوع اجتماعي طبيعي، بل يُعاد تأطيرهما بوصفهما فتنة أو إختراق أو تآمرا خارجيًا. بهذا المعنى، يبدو النظام متحررًا – إلى حد بعيد – من ضغط الرأي العام، لأن العلاقة بينه وبين المجتمع ليست علاقة تمثيل، بل علاقة وصاية قسرية ترى المجتمع موضوعًا للإدارة لا شريكًا في القرار.
في المقابل، يمكن ملاحظة أن الغضب الشعبي في إيران حقيقي، واسع، ومتجذر، لكنه لا يتخذ شكلًا سياسيًا جامعًا. المشكلة هنا لا تكمن في غياب الفعل أو الاستعداد للاحتجاج، بل في غياب الأفق الذي يمنح هذا الفعل معنى سياسيًا مستدامًا. المجتمع منقسم بين رؤى وأولويات متعارضة: مكونات قومية تنشد حقوقًا تاريخية وتخشى أن يؤدي سقوط المركز إلى إعادة إنتاج هيمنة جديدة، وقوميون فرس يحلمون بإيران قوية أكثر مما يحلمون بإيران عادلة، ويستحضرون الماضي بوصفه حلًا لا مشكلة، ومؤمنون “معتدلون” يطمحون إلى إصلاح النظام من داخله لا إلى قطيعة جذرية معه، وليبراليون يشكّلون نخبة محدودة التأثير، معزولة اجتماعيًا، بلا امتداد تنظيمي فعلي أو حضور مؤثر خارج الدوائر المدينية الضيقة. هذا التعدد، في غياب حد أدنى مشترك، لا ينتج مشروعًا بديلًا، بل ينتج تفككًا استراتيجيًا، وهو تفكك يعمل – بقصد أو من دونه – كأحد عناصر الاستقرار السلبي للنظام القائم.
على مستوى المعارضة، داخليًا وخارجيًا، تبدو الصورة أكثر هشاشة. لا توجد قيادة داخلية جامعة قادرة على بلورة تصور وطني لما بعد النظام، ولا توجد في الخارج شخصية تحظى بثقة الداخل أو تمتلك جذورًا اجتماعية حقيقية. نجل الشاه يفتقر إلى قاعدة داخلية ملموسة، والمعارضة التقليدية المرتبطة تاريخيًا بمجاهدي خلق تعاني من فقدان القبول الشعبي، أما التحالفات المعارضة فغالبًا ما تبقى كيانات رمزية ذات حضور إعلامي أكثر منه ميداني. في هذا السياق، تتحرك الحركات الكردية، بإستثناء تلك المرتبطة تنظيميا وعقائديا بحزب العمال الكردستاني، بحذر شديد، يحكمه وعي تاريخي وتجارب سابقة قاسية، وإدراك بأن أي اندفاع غير محسوب قد يدفع ثمنه المجتمع الكردي أولًا قبل أن يدفعه النظام. هذا الحذر مفهوم من زاوية حماية المجتمع، لكنه يساهم، موضوعيًا، في إطالة أمد الوضع القائم.
على الصعيد الدولي، وخصوصًا من زاوية واشنطن، لا يبدو التعامل مع إيران محكومًا باعتبارات أخلاقية بقدر ما تحكمه حسابات إدارة المخاطر. سقوط نظام مركزي كبير في دولة متعددة القوميات، من دون بديل واضح أو توافق داخلي، يُنظر إليه كاحتمال فوضوي قد يحمل تداعيات إقليمية واسعة: صراعات أهلية، اضطراب في أسواق الطاقة، موجات لجوء، وانفلات أمني. من هنا يمكن فهم الميل إلى صيغ “واقعية” تقوم على ضغط محسوب، وتصعيد محدود، وردود شكلية، ثم تهدئة مدروسة. وصف هذه المعادلة لا يعني تبريرها أخلاقيًا، بل محاولة فهم شروط عملها وحدودها. في هذه الصيغة، ينجو النظام مؤقتًا، وتضبط القوى الكبرى الإيقاع، بينما يتحمل المجتمع الكلفة الأكبر.
مع ذلك، لا تفترض هذه القراءة أن هذا التوازن ثابت أو محصّن تاريخيًا. التاريخ، في كثير من الأحيان، يفاجئ أكثر التحليلات تماسكًا. انشقاق في النخبة الحاكمة، انهيار اقتصادي حاد، أو حدث مفصلي غير متوقع، قد يكسر أحد أعمدة الاستمرار ويفتح مسارًا مختلفًا. ما تقوله هذه الفرضية هو أن النظام الإيراني، في هذه اللحظة تحديدًا، يبدو ضعيفًا لكنه غير مهدد بالسقوط الفوري، لا لأنه يتمتع بشرعية، بل لأنه يعمل في فراغ سياسي، ولأن البديل لم يتبلور بعد.
وفق هذا المنطق، فإن سقوط النظام، إن حدث، لن يكون نتيجة الغضب الشعبي وحده، ولا ثمرة ضربة خارجية معزولة، بل نتيجة لحظة نادرة يتقاطع فيها هذا الغضب مع تصور واضح لما بعد الطغيان القائم، ومع حد أدنى من التوافق بين قوى متناقضة على شكل الدولة المقبلة. إلى أن تتشكل مثل هذه اللحظة، تبقى فرضية استمرار النظام قائمة، لا بوصفها قدرًا تاريخيًا، بل كاحتمال سياسي مفتوح على التحول والانكسار.
16 يناير 2026