لماذا ا لاستباق في تنفيذ العدوان على حيي الأشرفية والشيخ مقصود الكرديين؟

إبراهيم اليوسف

 

لم يأت العدوان الذي طال حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، نتيجة اشتباك مفاجئ، بل جاء نتيجة  مخطط سياسي وأمني معد، ومطلوب، جرى التحضير له مسبقاً، إلى أن نُفّذ في توقيت مدروس في السادس من كانون الثاني 2025، في الوقت الذي كان الطرف الكردي ينتظر موعد اللقاء التالي في التاسع من الشهر نفسه، بناء على الاجتماع الأخير الذي تم، إلا أن نظام السلطة المؤقتة في دمشق بادر في تنفيذ العدوان على الحيين الكرديين المأهولين بالسكان العزل، بعد أن غادرته قوات سوريا الديمقراطية ولم تبق غير قوات الأسايش- الشرطة- بأسلحتها الخفيفة وفق اتفاقية الأول من نيسان 2025، ومن هنا، فإن الوقائع الميدانية والسياسية تشير بوضوح إلى أن قرار الحرب/ العدوان سبق التنفيذ، وأن العنف جاء ترجمة مباشرة لاختيار سياسي محدد، لا كاستجابة ظرفية أو رد فعل آني، كما يروج له كذباً وبهتاناً، من قبل الآلة الإعلامية لهذا النظام الأكثر زيفاً من آلة إعلام النظام السابق!

حقيقة، لقد لعبت تركيا الدور المركزي في صنع هذا العدوان، إذ تتحرك، أو تحرّكت بدافع الخوف من أي تغيير محتمل في موازين المنطقة، عموماً، و في ما يتصل بالحضور الكردي المنظّم في سوريا، على نحو خاص. هذا الخوف- التاريخي- تُرجم تحريضاً مباشراً ضد الكرد، وتهديداً علنياً، عبر محاولات متقدمة لاستعداء العشائر، في سابقة لم تشهدها سوريا حتى في أشد مراحل الشوفينية الرسمية قسوة. وطبيعي أن هذا التحريض لم يبق في الإطار الإعلامي، بل انتقل إلى مستوى القرار والتنفيذ، ضمن دائرة رؤية السلطة وأدواتها.

لقد جرى في هذا السياق، التعامل مع الرئيس المؤقت أحمد الشرع كأداة تنفيذ، حيث سُمِح لتركيا بأن تصرّح عنه في ما يخص موقفها من كرد سوريا، بدعوى مواجهة” قسد” إلى الحد  الذي رأينا كيف أن من يسمى بوزير خارجية  هذا النظام الجديد وجّه التهديدات نيابة عن الدولة التركية، منسجمة، بل مجسدة، تماماً، للخطاب التركي، في إطار يكشف غياب القرار السيادي، واستبداله بوظيفة مفروضة من الخارج.

ومعروف أن ثقافة الكراهية ضد الكرد، تفاقمت، منذ لحظة استيلاء أحمد الشرع على السلطة، واتسع نطاق التأليب السياسي والإعلامي، على نحو ملحوظ، ليتوازى ذلك مع إقصاء واضح للكرد عن أي استحقاق سياسي  فعلي وحقيقي.  فقد استُقبلت وفود متعددة، من قبل المسمى- رئيس جمهورية- وصُنعت صور تمثيلية، وفُتحت الأبواب لشخصيات بلا وزن سياسي، في الوقت الذي جرى تجاهل ممثلي الحركة الكردية التاريخية، رغم وصول وفد كردي فور سقوط النظام بقصد التهنئة وفتح صفحة جديدة، مع دمشق من دون جدوى. هذا التجاهل استمر لاحقاً، وتأكد حين كُتب ما سُمّي دستوراً متجاهلاً الوجود الكردي، وحين عُقد ما سُمّي مؤتمراً وطنياً دون أي تمثيل كردي.

 ثمة مبادرة جد مهمة -في رأيي- وهي أن مثقفين كرداً بادروا إلى محاولة فتح قناة سياسية مباشرة، إذ طُرحت فكرة توجيه رسالة واضحة إلى أحمد الشرع تتضمن مطالب سياسية مشروعة لشعب كامل، وقد طرح علي فكرة المبادرة الروائي الشاعر هوشنك أوسي الذي يقدمه بعض الأبواق كمثقف  عنصري معاد وغير ذلك، وشاركنا كل من الناقد صبري رسول والإعلامي الفنان عنايت ديكو، بجمع تواقيع مئة وسبعين كاتباً وكاتبة وتم توجيهها إلى أحمد الشرع. هذه المبادرة جاءت في إطار الوعي الوطني التشاركي بطيّ صفحة أليمة وفتح أخرى جديدة، غير أن التجاهل كان الرد الوحيد، ما أعاد إنتاج السياسة ذاتها التي اتبعها النظام السابق، حيث يُستخدم ذكر الكرد خطابياً، من دون أية ترجمة عملية على مستوى الحقوق أو الشراكة.

وإذا كانت سلطة دمشق المؤقتة تزعم بأن قسد تابعة لقنديل وغير ذلك، فلماذا اختارتها كطرف لتوقيع وثيقة تحدد مصير ثلاثة ملايين كردي في سوريا، وتجاهلت الطرف السياسي الذي قاد الحركة الكردية، تاريخياً، لأن وثيقة الاتفاق هي تخص الجانب العسكري، بيد أن الجانب السياسي فإن الطرف المعني- سياسياً- تم تهميشه، للاستفراد بالجنرال مظلوم عبدي، تحت وطأة استغلال فرصة تاريخية، وعدم استكمال مفردات الوثيقة، حتى بعد اتفاقية الخامس والعشرين من نيسان2025 التي تمثل الحركة الكردية كاملة.

وعوداً على بدء،  فإنه لا يمكن فصل ما جرى في الأشرفية والشيخ مقصود عن التفاهمات الإقليمية والدولية التي مهّدت لوصول هيئة التحرير إلى دمشق، بتخطيط تركي واضح، وبموافقات متعددة. هذه المجازر التي ارتكبت تفسر إهمال اتفاقي آذار، والأول من نيسان، في آن، رغم عقد اجتماعات بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام الجديد، والاتفاق على استكمال التفاهمات في موعد محدد بتاريخ السادس من كانون الثاني2026. ت ومن هنا يتضح بأن تعطيل هذا  الاتفاق جاء من قبل سلطة دمشق،  لم يكن نتيجة تعنت من قبل قوات سوريا الديمقراطية، إذ استُبق الموعد  المتفق عليه، بعمل عسكري، من قبل  سلطة دمشق، هدفه قطع الطريق على أي تفاهم، من خلال غرفة عمليات تركية/ سورية؟!

وقد كشفت الوقائع الميدانية حقيقة ما جرى، إذ لم تكن في الحيين الكرديين أية أسلحة ثقيلة، كما إن القوى الموجودة  لم تكن سوى عناصر أسايش مكلفة بحفظ الأمن، بأسلحة خفيفة، في مواجهة قوة مهاجمة ضخمة مدعومة بمسيّرات تركية وأسلحة ثقيلة.  وللمفارقة، فإن الفارق العددي كان فادحاً، حيث ثلاثمئة عنصر شرطة كردي- فحسب- في مواجهة عشرات الآلاف من المهاجمين. ورغم ذلك، فقد صمدت هذه القوة المحدودة، ولم تستسلم، ولم تنسحب، رغم حجم الغدر- بأشكاله- الذي تعرضت له، ورغم أنها لم تكن في موقع قتالي هجومي، بل في موقع أمني دفاعي.

 وكلنا يعلم أن نتائج هذا العدوان كانت كارثية على المستوى الإنساني، حيث: عشرات الشهداء، مئات الجرحى، بالإضافة إلى تهجير ما يقارب مئة وخمسين ألف إنسان، وتدمير مئات المنازل، وخطف وأسر مئات المدنيين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً. هذه الوقائع كلها لا يمكن تسويغها، ولا يمكن فصلها عن قرار سياسي مسبق. مفروض، مدبر، بتحويل الحيين إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.

من هنا يظهر توقيت العدوان ذا دلالات بينة، إذ وقع بعد ساعات من لقاء باريس في الخامس من يناير2026، وبرخصة إقليمية دولية، في ظل لقاءات مع إسرائيل، وحضور توم باراك وبالتوازي مع وجود هاكان فيدان في فرنسا!. وهو ما يؤكد- بجلاء- أن ما جرى كان مجرد محاولة لصرف الأنظار عن التفاهمات السياسية الجارية، عبر تفجير ميداني دموي، يستخدم للتغطية، وإعادة التعمية عبر تقديم دماء قرابين كردية، بعد دفعتي قرابين علوية- درزية، ولهذا فإن أحداً من أبواق النظام الجديد، لم يقارب السؤال المهم: علام تم الاتفاق في باريس؟  هل الأولوية لمواجهة شركاء تاريخيين صنعوا وصانوا خريطة- سوريا- والمنطقة يمكن الاتفاق على كلمة سواء معهم أم مواجهة مبتلعي خريطة سوريا التي دافع عنه الكرد مع أهلم من المكونات كلها؟

إنه لمن البداهة أن الاستقواء بدولة خارجية معادية للسوريين جميعاً، وليس لمحض مكون، والتنازل أمام عدو تاريخي مغتصب لأرض سورية، لاستخدامه في قمع المكونات السورية، من الكرد إلى العلويين والدروز،  ما يضيف إلى سجل أحمد الشرع صفحة سوداء جديدة، وهو ما يدعونا للتأكيد أن فرض سياسة عرجاء أحادية تسلطية- على هذا النحو- لا يبني دولة، ولا يؤسس استقراراً، بل يراكم أسباب الانفجار المستقبلي، باعتبار أن التجربة القريبة في المنطقة والمحيط والعالم  كافية لدحض النظريات المسترجلة  من خلال ذرِّ الرماد في الأعين، لأن  مصير هذا النوع من السياسات  الفشل، في أقل تقدير، لا سيما إن كل أفانين وفقاقيع الدعاية البراقة المزيفة لا تحمي  دعاتها، ولا تنقذهم الصور الزاهية ولا التصريحات الرومانسية عديمة الرصيد الصرفي.

فلا مناص، البتة، اليوم، من اعتذار صريح لأسر الضحايا، وضبط حقيقي لأجهزة السلطة المنفلتة، ومحاكمة كل مرتكبي الانتهاكات- وهذا مستحيل-في رأيي- نتيجة ما يفهم من تكوين شخصية وعقلية الرئيس المؤقت الذي  أمر- أصلاً- بالعدوان الاستباقي وهو من ينظر إليها، كمنجز، لا كجريمة عار وطني وإنساني، في الوقت الذي يزعم فيه باستمرار فتح باب المفاوضات، وفق وثيقة لا تساوي حتى حبرها، لأنها بعيدة عن قاعدة الشراكة الفعلية. أجل، إنه من دون ذلك كله، يبقى العدوان على الأشرفية والشيخ مقصود لطخة عار على جبين كل من حرض، وأمر، ونفذ، وانتهك، فهو ليس مجرد حادث عرضي، وإنما بداية سجل دم مفتوح بحق شعب آمن، ما لم يتم الاستدراك الفوري، بروح وطنية منصفة- لا تبدو متوافرة الآن، تحت نير السلطة الجديدة- أو عبر لجان ومنصات دولية تعمل وفق القوانين والشرائع الناظمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين تنطلق هذه القراءة من فرضية تحليلية قابلة للنقاش، لا من حكم تاريخي نهائي ولا من ادعاء امتلاك مسار الأحداث المقبل. مفاد هذه الفرضية أن ليس كل نظام يواجه غضبًا شعبيًا واسعًا يكون بالضرورة على حافة السقوط، ولا سيما إذا كان هذا النظام لا يستمد وجوده أصلًا من شرعية شعبية كي يخسرها. في الحالة الإيرانية، يبدو أن السلطة قائمة…

د. محمد رشيد للمرة الثانية في تاريخ الكرد، يتم الاعتراف بالكرد في شطرين من الأجزاء الأربعة لكردستان المقسمة. أولاً- المرة الاولى بعد عودة اسطورة الكرد مصطفى بارزاني من روسيا مع لجوء قسري في المنفي، واستقبال رئيس الجمهورية – الرئيس عبد الكريم قاسم – له، ومع الاعتراف بالكرد وتثبيته في الدستور العراقي ((العرب والكرد شركاء في العراق)) وبعد عشر سنوات بات…

خالد حسو تشهد سوريا والمنطقة المحيطة بها مرحلة دقيقة واستثنائية، إذ تواجه البلاد تحديات سياسية واجتماعية معقدة تهدد استقرار الدولة والمجتمع. وتبرز الحاجة الملحة إلى سياسات شاملة تراعي حقوق جميع المواطنين والمكونات الاجتماعية والثقافية، بما في ذلك العرب والكورد والعلويين والدروز والسريان والأرمن والكلدان والآشوريين والإسماعيليين والمسيحيين والأيزيديين – الذين يشكلون معًا باقة ورد متنورة ومتنوعة تعكس غنى سوريا…

شكري بكر اليوم في 15/1/2026 وبدعوة من حزب الإتحاد الديمقراطي جرى لقاء بين وفد من حزب الإتحاد الديمقراطي ووفد من رئاسة المجلس الوطني الكوردي . جرى خلال اللقاء بحث ومناقشة أحداث حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب . واللقاء تناول مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بتلك الأحداث . وشدد الجانبان على أهمية عودة النازحين من الحيين إلى ديارهم ومنح الأولوية…