الكرةُ الأرضيةُ في أيادٍ غيرِ أمينة

سمكو عمر لعلي

 

لم يعد ما يعيشه العالم اليوم مجرّد أزماتٍ عابرة أو اختلالاتٍ ظرفية، بل بات انعكاساً صارخاً لواقعٍ أكثر عمقاً وخطورة: واقع تُدار فيه الكرة الأرضية بأيدٍ غير أمينة، أيدٍ فقدت البوصلة الأخلاقية، واستبدلت القيم الإنسانية بحسابات القوة والمصالح.

ومن خلال ما قرأته وتأملت فيه ضمن الدائرة التي رسم وكتب فيها صديقي الأستاذ أنس قاسم، (الكرة الأرضية في اياد غير أمينة) وما خلصتُ إليه من دراسةٍ للوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يتبيّن بوضوح أنّ العالم يُساق اليوم وفق منطق الهيمنة لا الشراكة، ومنطق الإقصاء لا العدالة، ومنطق الربح السريع ولو على أنقاض الإنسان والطبيعة معًا.

إنّ مراكز القرار العالمية، التي يفترض بها أن تكون حارسةً للسلم الدولي وضامنةً لكرامة الشعوب، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أدوات لإدارة الصراعات لا حلّها، وتأجيج الحروب لا إخمادها، وشرعنة الظلم تحت عناوين براقة كالديمقراطية أو الأمن أو الاستقرار. وفي ظلّ هذا المشهد، يصبح الإنسان رقماً في تقارير، أو ورقة ضغط في مفاوضات، أو ضحيةً صامتةً لصراعاتٍ لا ناقة له فيها ولا جمل.

سياسياً، نشهد عالماً تتآكل فيه السيادة الوطنية للدول الضعيفة، وتُصادر فيه إرادة الشعوب، وتُعاد فيه رسم الخرائط وفق مصالح القوى الكبرى، لا وفق حقوق السكان أو خصوصياتهم التاريخية والثقافية. وفكرياً، يُعاد تشكيل الوعي الجمعي عبر الإعلام الموجّه والخطابات الشعبوية، حتى بات الكذب يُقدَّم حقيقة، والعدوان يُسوَّق دفاعاً، والاحتلال يُبرَّر ضرورةً.

أما أخلاقيًا، فالأزمة أعمق وأخطر؛ إذ تراجعت قيمة الإنسان أمام سطوة السلاح والمال، وغابت العدالة خلف ازدواجية المعايير، وصار الدم رخيصاً حين لا يخدم مصالح الأقوياء. وهنا تتجلّى خطورة الأيدي غير الأمينة: فهي لا تكتفي بسوء الإدارة، بل تُمعن في تخريب المعنى نفسه، معنى الإنسان، ومعنى الحياة المشتركة على هذا الكوكب.

ومع ذلك، فإنّ الإقرار بخطورة الواقع لا يعني الاستسلام له. فالتاريخ علّمنا أنّ التغيير يبدأ بالوعي، وأنّ مقاومة العبث تبدأ بإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية، وببناء مشروع فكري وأخلاقي يضع الإنسان في مركز السياسة لا على هامشها. إنّ الكرة الأرضية لن تُنقذها مزيدٌ من الأسلحة ولا التحالفات المؤقتة، بل إرادة الشعوب الواعية، ونخبٌ فكرية شجاعة، ومشروعٌ عالمي يعيد للأمانة معناها وللمسؤولية مكانتها.

فالخطر الحقيقي ليس فقط في أنّ العالم يُدار بأيدٍ غير أمينة، بل في أن نصمت عن ذلك، أو نعتاد عليه، أو نقبل به كقدرٍ لا يُردّ. وهنا، تصبح الكلمة موقفاً، والفكرة فعلاً، والوعي أولَ طريق الخلاص.

 

هولير16/1/2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…