الكلمة في زمن الحرب: حين يُختبر شرف القلم

ماهين شيخاني

إلى الكاتب…

إلى المتحدّث…

حين تشتعل الحروب، لا تُدار المعارك بالسلاح وحده. فهناك جبهة أخطر، وأكثر دوامًا: جبهة الكلمة. الكلمة التي تُصيب العقل قبل الجسد، وتُعيد تشكيل الوعي، وتترك أثرها طويلاً بعد أن تصمت المدافع. لكنها، ككل سلاح، قد تُستخدم بشرف… أو تُستعمل بتهوّر.

الكتابة في زمن الحرب ليست تفريغاً للغضب، ولا سباقاً في الصراخ، بل مسؤولية أخلاقية وفعل وعي. من يرفع قلمه في هذه اللحظة، إنما يدخل ساحة قتال من نوع آخر، حيث لا تُقاس القوة بعلو الصوت، بل بصلابة الفكرة، ولا يُعرف النصر بالإهانة، بل بقدرة الحُجّة على الصمود.

إن شرف الكلمة يكمن في احترام الحقيقة، حتى عندما تكون قاسية، وفي مقاومة الانزلاق إلى لغة الشتائم والتجريح. فاللغة السوقية لا تُسقط خصماً، ولا تُربك مشروعاً معادياً، بل تُفقد القضية نقاءها، وتحوّل صاحبها إلى أسير لانفعاله. الإهانة ليست شجاعة، بل دليل عجز عن المواجهة الفكرية.

اكتب لتُفكّك خطاب الظلم، لا لتستنسخه.

جادل لتكسب الضمير، لا لتُشبع الغضب.

اجعل قلمك سلاحاً، نعم، لكن ليكن سلاحاً من معرفة، لا من حقد؛

جوهره الحقيقة، ومصدر قوته الكرامة، وغايته الدفاع عن الإنسان لا سحقه.

في أزمنة الخراب، يسهل أن نفقد توازننا، لكن الأصعب — والأشرف — أن نحافظ على إنسانيتنا. لا تسمح للكراهية أن تُعيد تشكيل لغتك، ولا للغضب أن يسلبك رصانتك. فالكلمة الهادئة الواثقة، حين تصدر عن عقل حر، أبلغ أثرًا من ألف شتيمة.

تذكّر دائماً:

التاريخ لا يحفظ ضجيج الغاضبين،

بل يخلّد صوت العقلاء.

وحين تنقش كلماتك في ذاكرة الزمن، اجعلها شاهدة لك… لا عليك.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…