عندما تتحوّل الشاشات إلى جبهات: الإعلام العربي في حرب تشويه الكرد وقسد

صلاح عمر

 

ما يجري اليوم على شاشات قنوات مثل الجزيرة والعربية والحدث لا يمكن قراءته بوصفه “تغطية إعلامية” بالمعنى المهني، بل هو أقرب إلى إدارة معركة سياسية ـ نفسية ضد طرف بعينه، هو قوات سوريا الديمقراطية، ومن ورائها الوجود الكردي كله في سوريا. نحن أمام حملة منظمة، لها سردية واحدة، ولغة واحدة، وخصم واحد، مهما اختلفت الشعارات.

هذه القنوات لا تكتفي بتشويه دور قسد في هزيمة داعش، وهو الدور الذي يعرفه العالم جيدًا ودفعت ثمنه آلاف الشهداء من خيرة أبناء وبنات هذا الشعب، بل تحاول إعادة تعريف قسد سياسيًا وأمنيًا، عبر اللعب بالأسماء والصفات، وربطها بخطابات وأطر تخدم أجندات إقليمية واضحة. مرة تُقدَّم كـ“مليشيا انفصالية”، ومرة كـ“ذراع لحزب خارجي”، ومرة كـ“معطّل للاستقرار”، في محاولة واعية لنزع شرعيتها الأخلاقية والسياسية تمهيدًا لاستهدافها.

الأخطر من ذلك هو تبنّي هذه القنوات، بحذافيرها، لسردية نظام الجولاني القائلة إن قسد هي من تعرقل “اتفاق العاشر من آذار”. لا يوجد أي جهد جدي لتفكيك هذه الرواية، أو مساءلتها، أو وضعها في سياقها الحقيقي، بل تُقدَّم وكأنها حقيقة مكتملة، وتُستخدم كوقود لتحريض الجمهور العربي ضد الكرد، وتصويرهم كعقبة في طريق “سوريا الجديدة”.

هنا ينتقل الإعلام من دور ناقل الخبر إلى دور صانع العدو. فبدل أن يُسأل: من يهدد المدنيين؟ من يقصف الأحياء؟ من يحاصر المدن؟ من يمنع الحلول السياسية؟ يصبح السؤال الوحيد المطروح على الشاشات: لماذا لا تخضع قسد؟ لماذا لا تسلّم؟ لماذا لا تتنازل؟ وكأن المشكلة ليست في مشروع الإقصاء والعنف، بل في وجود قوة تحاول حماية شعبها وحدودها وحقوقه.

هذا السلوك يكشف بوضوح أن بعض هذه المنصات لم تعد وسائل إعلام، بل أدوات في حرب هجينة، تُستخدم فيها الكاميرا والميكروفون كما تُستخدم الطائرة المسيّرة والراجمات. هي منصات لإعادة تشكيل الوعي، وصناعة قبول شعبي لاستهداف الكرد سياسيًا وربما عسكريًا، تحت عناوين براقة مثل “الوحدة” و“السيادة” و“إنهاء الانقسام”.

لكن الحقيقة التي لا تستطيع هذه الحملات محوها هي أن قسد لم تكن يومًا عائقًا أمام الحل، بل كانت، وما تزال، أحد أعمدة الاستقرار النسبي في أكثر مناطق سوريا هشاشة. وهي القوة التي هزمت داعش عندما كانت هذه القنوات إما صامتة، أو تروّج لسرديات ملتبسة حول “ثوار” و“مقاتلين” تبيّن لاحقًا أنهم كانوا أخطر تنظيم إرهابي عرفته المنطقة.

ما يُستهدف اليوم ليس تنظيمًا ولا تشكيلًا عسكريًا فحسب، بل فكرة أن للكرد حقًا في أن يكون لهم دور، وصوت، وقوة تحميهم في سوريا المستقبل. وحين يتواطأ الإعلام مع هذه المحاولة، فإنه لا يخون المهنية فقط، بل يشارك في صناعة ظلم جديد يُضاف إلى سجل طويل من المظالم.

في زمن التحريض، يصبح قول الحقيقة فعل مقاومة. وفي زمن تزييف الوعي، يصبح الدفاع عن قسد – بصفتها خط الدفاع الأول عن الوجود الكردي في سوريا – دفاعًا عن حق شعب في ألا يُباد بصمت، ولا يُشيطن على الشاشات قبل أن يُستهدف على الأرض.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…