شريف علي
كشفت الهجمات التي شنّتها قوات الحكومة المؤقتة بالتنسيق مع الفصائل المدرجة على قوائم الارهاب الدولية،على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب أن الصراع في الشمال السوري دخل مرحلة مختلفة تمامًا عمّا كان عليه في السنوات الماضية. فهذه الأحياء، التي تُعدّ آكبر وجود حضري للكورد داخل مدينة حلب، لم تعد مجرد مناطق محاصرة، بل تحولت إلى عقدة سياسية وأمنية لا يمكن لأي طرف تجاوزها بسهولة. ورغم انتهاء جولة قاسية من المواجهات خلّفت دمارًا واسعًا وتهجيرًا للسكان الكورد وسقوط عشرات الضحايا، يبقى السؤال مطروحًا بقوة: هل انتهت المعركة فعلًا، أم أنها مقدمة لمرحلة أكثر اتساعًا قد تمتد إلى محيط حلب وغرب الفرات، من جرابلس إلى دير حافر ومسكنة وصولًا إلى تخوم الطبقة ، وهو شريط استراتيجي بالغ الحساسية.
وفي هذا السياق، تعمل تركيا بوضوح على دفع المعركة نحو خطوط التماس مع قوات سوريا الديمقراطية في محيط حلب، بهدف خلق ذريعة لتدخل عسكري جديد يعيد رسم خرائط السيطرة ويعزز نفوذها في الشمال السوريوتضييق الخناق على شرق الفرات . فأنقرة تدرك أن أي توتر قرب مناطق قسد يمنحها فرصة لتبرير عملياتها تحت شعار “الأمن القومي”، ويفتح الباب أمام توسيع نفوذها من جرابلس إلى تل رفعت، في إطار مشروع أمني–سياسي طويل الأمد.
ويمتد تأثير هذا الشريط إلى ما هو أبعد من الجغرافيا المباشرة، إذ يشكل حلقة وصل بين مناطق النفوذ التركي غرب الفرات ومناطق الإدارة الذاتية شرق الفرات. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال المنطقي للحديث عن التفاهمات الأمريكية–التركية، لأن أي تصعيد في هذه المناطق يبقى مرهونًا بهذه التفاهمات التي تحدد سقف التحركات التركية وتؤثر بشكل مباشر على مستقبل الوجود الكوردي. فواشنطن، رغم دعمها لقسد في الحرب على داعش، لا تزال تحاول الموازنة بين علاقتها مع أنقرة وحاجتها إلى شريك محلي مستقر شرق الفرات، ما يجعل الكورد في قلب معادلة معقدة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها بسهولة.
في المقابل، تشكّل مناطق غرب الفرات—من جرابلس إلى الرقة ودير الزور—العمق السياسي والاقتصادي للإدارة الذاتية. وهي ليست مجرد امتداد جغرافي، بل حاجز استراتيجي يمنع عزل شرق الفرات أو استهدافه من خاصرته الغربية. فاستقرار هذه المناطق، وتماسك شراكتها مع القوى الكوردية، يشكلان عنصرًا حاسمًا في منع أي محاولة لإعادة رسم الخريطة على حساب الوجود الكوردي.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالتصعيد الحاد بين إسرائيل وإيران، والدعم الأمريكي الواضح لإسرائيل، يفتح الباب أمام احتمالات توسع الصراع في المنطقة، ما قد ينعكس مباشرة على شمال سوريا. ففي لحظات الاضطراب الإقليمي، غالبًا ما تُعاد صياغة خرائط النفوذ، ويصبح الشمال السوري ساحة مفتوحة أمام القوى المتنافسة، الأمر الذي يجعل موقع الكورد أكثر حساسية من أي وقت مضى.
ورغم كل هذه التحديات، فإن الكورد ليسوا مجرد رد فعل على سياسات الآخرين، فهم يمتلكون مشروعًا سياسيًا واضحًا على المستوى السوري يقوم على الشراكة الوطنية والمجتمعية واللامركزية السياسية. ويمكنهم استثمار اللحظة الراهنة لتعزيز حضورهم عبر توثيق التحالفات المحلية، واستثمار الوجود الدولي، وتثبيت نموذج إداري قادر على الصمود في وجه التحولات المقبلة.
إن ما بعد معركة الشيخ مقصود ليس مرحلة هدوء، بل إعادة رسم لمعادلات القوة في الشمال السوري. وإذا امتد الصراع إلى محيط حلب وغرب الفرات أو محاولة تجاوز النهر، فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة قد تحدد شكلها لسنوات طويلة. وفي لحظة تتغير فيها خرائط المنطقة، يصبح حضور الكورد في معادلة القرار ضرورة لا خيارًا. وأي غياب للكورد الجامع على مرجعية الزعيم البارزاني عن طاولة القرار في هذه المرحلة، قد يسمح للآخرين برسم مستقبلهم نيابة عنهم، يكون الثمن أكبر و الخطر يفوق كل ما شهدته المنطقة من صراعات .
————————13 يناير 2026 ———
. https://altaakhi.net/2026/01/216079/