حين يتحوّل الاختلاف إلى خطاب الكراهية

خالد حسو

تشير المعطيات الراهنة إلى تصاعد مقلق في خطاب الكراهية والتحريض والعنف الصادر عن بعض الإعلاميين والمنصّات والقنوات العربية تجاه الكورد والشعب الكوردي. وهو خطاب لا يكتفي بتشويه المطالب المشروعة، بل يسهم في نزع الإنسانية عن شعبٍ لا يطالب إلا بحقه الطبيعي في الحياة، والكرامة الإنسانية، والديمقراطية، والعيش بحرية وسلام، وحقه في تقرير مصيره كما تكفله المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ربما نختلف بشدّة في الرؤى السياسية، والهويات، وتفسير الأحداث، لكن إدارة هذا الاختلاف بلغة الإهانة أو العنف لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والخراب. فالتجارب التاريخية للصراعات الداخلية تؤكد أن نزع الإنسانية عن الخصم هو الخطوة الأولى نحو تبرير إقصائه، ثم قمعه، ثم استباحة دمه، جسديًا أو رمزيًا.

إن خطاب الكراهية لا يعمل فقط كأداة تحريض، بل كآلية لإعادة إنتاج العنف، إذ يحوّل الخلاف السياسي من نقاش حول الحقوق والمصالح إلى صراع وجودي مغلق لا يقبل التسوية. ومع كل دورة عنف، تتآكل إمكانيات التعايش، وتتراجع قيم المواطنة لصالح الهويات المغلقة، ويُعاد تعريف الوطن بوصفه غنيمة لفئة، لا فضاءً مشتركًا لجميع أبنائه.

ومن منظور سياسي وأخلاقي، لا يمكن بناء شرعية لأي مشروع تحرري أو وطني عبر التخوين الجماعي أو استخدام العنف ضد المدنيين، لأن هذه الممارسات تقوّض الأسس التي يُفترض أن تقوم عليها مفاهيم الحرية والعدالة. فالعدالة لا تُنتج بالانتقام، والحرية لا تولد من فوهة السلاح حين يُوجَّه إلى المجتمع نفسه.

إن إدارة الاختلاف تتطلب الاعتراف بالتعدد، وضبط الصراع ضمن أطر قانونية وأخلاقية تحمي كرامة الإنسان، بغضّ النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو السياسي. وبدون ذلك، لا يكون العنف انحرافًا عارضًا، بل نتيجة منطقية لخطاب إقصائي يجد في كل لحظة تمكين فرصة جديدة للانفجار.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…

عصمت شاهين الدوسكي عندما تكون الجبهة الداخلية قوية تكون الجبهة الحدودية اقوى. النفوس الضعيفة تستغل الشائعات لاشعال الفتن بين الناس. كثرت في الاونة الاخيرة افة الشائعات خاصة بعد بداية حرب امريكا وايران وفي كل الحروب تبدأ الشائعات بالظهور بشكل واخر. ولكي نكون على دراية بفكرة الشائعات يمكن تعريفها بشكل بسيط: الشائعات هي وسيلة من وسائل الحرب تستخدم فيها الاوهام والاكاذيب…

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…