الكرد في مواجهة الإبادة الصامتة: ممنوع التصوير

إبراهيم اليوسف

 

تتخذ الجريمة بعداً أكثر وحشية عندما تتحول الضحية إلى أداة خطاب، وحين يُدفع الجسد المعذّب ليؤدي دوراً إضافياً بعد قتله، إذ لا يعود القتل نهاية الجريمة- لاسيما المنظمة تحت شعار وطني أو ديني- بل بدايتها، ولا يتوقف  العنف عند إزهاق الروح بل يمتد إلى الصورة/ المشهد، والقول، والتأويل، وهكذا يُستثمر الدم في بازار “التمرجل”، وتُقاس الفاجعة بمدى صلاحيتها للتداول، لا بعمقها الإنساني. من هنا تبرز حادثة رمي البطلة الكردية ستيرا، المتطوعة في قوى” الأسايش” الشرطة، لا لأنها مجرد مشهد منفصل في دوامة حرب النظام المغتصب لكرسي السلطة في دمشق، وإنما باعتبارها رسالة مشفرة. على طريقة اشتغال الحرب حين تُنزع عنها أي قيمة أخلاقية أو قانونية ودينية، وحين يُراد للضحية أن تُدان بدل الجلاد.

الشهيدة ستيرا لم تكن حاملة بندقية، ولم تُضبط في ساحة اشتباك، ولم تخالف ما أُعلن من قيود سلاح بعد اتفاق الأول من نيسان ٢٠٢٥، حيث اقتصر التسليح المسموح به على الخفيف، ومع ذلك جرى رميها من أحد الطوابق العليا، في فعل قتل مباشر أُريد له أن يكون علنياً وصادماً، وأن يؤدي وظيفة تتجاوز إنهاء الحياة إلى ترسيخ حالة الرعب، وإرسال رسالة ردع جماعية لشعب كامل، للمكونات كلها، وحتى لأكثرية السنة الصامتين المتذمرين الرافضين- ضمنياً- سياسات طغمة حكام دمشق الجدد العابرين، مفادها أن الجسد الكردي مباح خارج منطق التوثيق، من خلال الاتعاظ من المجازر التي ارتكبت بحق الدروز والعلويين والمسيحيين.

في واقعة أخرى مماثلة: كراهية وعدوانية وفي المسرح/ الزمكاني ذاته، جرى الاعتداء على شرطية كردية ثانية، حيث أُسرت، وشُدّ شعرها، وجُرّت أرضاً، وتعرّضت للإهانة العلنية وهي ما تزال على قيد الحياة. هذا الاعتداء لا يندرج ضمن القتل الفوري، وإنما يندرج ضمن عنف منهجي مقصود، عنف  ممارسة الإذلال بحق الحيّ، الذي يُمارس بوصفه تمهيداً للقتل أو بديلاً مؤقتاً عنه، ورسالة مفتوحة بأن الحياة نفسها خاضعة لمنطق الكسر، حيث إن القتل المباشر والإذلال العلني يشكلان معاً سلسلة واحدة من العنف المتدرج، ضمن مخطط واحد، تم استحصال رخصه بدفع تركي/ داعشي، ودعم إقليمي، وضوء أخضر أمريكي/ غربي.

لقد تزامن القصف الجوي الأرضي وعبر الأسلحة مابعد الحداثية مع مداهمات، وأسر، واعتقالات، وتهجير قسري، ووصل ذلك حتى إلى القرى المحيطة بعفرين، بعد نزوح من تبقى من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، فيما ظلت أعداد الضحايا غير معروفة، كما إن أعداد الأسرى لما تزل مجهولة، ناهيك عن إن أسماء المفقودين- هي الأخرى-  من دون  لوائح، لأن التعميم صدر مبكراً بعدم التصوير، لا حمايةً للمدنيين، وإنما حمايةً للجناة من أي أثر قانوني قد يُعرض لاحقاً على رأي عام أو جهة دولية تدعي المراقبة، ولو في حدود الإعلان، كما يبدو حتى الآن. وهكذا فقد جرى تنفيذ المجازر بدقة إجرامية لامتناهية الكراهية والغل والحقد، في معزل عن الدليل الأولي الذي طالما كان صفة داعشية عرفناها منذ الثالث من أيلول 2014

وحقيقة، إن هذا الصمت المشغول يترافق ويتوافق عليه وفق بارومتر أممي ديكوري افتراضي، مع غرفة عمليات مشتركة، وتحت دفع فعل تحريضي تركي واضح، ومع دعم إقليمي، وتواطؤ دولي، تجلى في تقديم تسهيلات سياسية ومالية، وفي غض طرف متعمد، حتى بدا المشهد كما لو أن الدم الكردي يُستباح خارج الأرض التي احتلتها تركيا مباشرة: كردستانياً وسورياً، في محاولة لاستباق الزمن وتصفية ما تبقى من حضور كردي قبل أن تترسخ أية معادلة مختلفة. إذ إن الخريطة التي  تأسست عليها الدولة التركية الحديثة تمت على حساب خريطة أوسع، وإن كل استعادة لذاكرة تلك الخريطة تُقابل بعنف استباقي.

ولم يكن القتل، وحده، هو العامل الحاسم الأخطر في هذا الميدان، وإنما  شراسة الطقس الكانوني غير المسبوق الذي رافقه، ناهيك عن المخدر المتجسد في صيحات “الله أكبر” فوق  أشلاء الأجساد المتراكمة، لا باعتبارها ذكراً إلهيا في طقس صوفي خشوعي في حضرة الخالق، وإنما باعتبارها غطاءً صوتياً للجريمة، بحق ضحايا أكثرهم كان يلفظ الشهادة ويقرأ آيات الذكر الحكيم، في مفارقة فاضحة مع أي فهم ديني يجرّم التمثيل بالجثث، ويحرم انتهاك حرمة الإنسان حياً وميتاً، ويضع الكرامة في موقع لا يقبل المساومة. وقد بلغ الانحطاط ذروته مع مشاهد التمثيل، واستخراج قلب أحد عناصر الأسايش، في استعادة سوداء لممارسات أعادت داعش إحياءها، وسارت على خطاها فصائل ادعت يوماً صفة “التحرير”، بدعم تركي وقطري، لتُنتج وحشية بلا قناع.

وهكذا نصل إلى جوهر المسألة، حيث لا يُراد للضحية أن تُرى ضحية، بل يُعاد تعريفها كمذنبة، ويُطلب من المحاصَر أن يختار بين الاستسلام  المذل رغم الاتفاق البيني المخترق من قبل السفاح الميليشوي أو الإدانة، بينما يُمنح المعتدي حق المبادرة وحق السرد وحق محو الأثر. من هنا نرى أن منع التصوير لم يكن تفصيلاً، وإنما كان سياسة، لأن الصورة قادرة على هدم خطاب كامل، وقادرة على فضح اختبار دولي يُدار بوجهين، أحدهما يرفع شعارات، والآخر يوزع تراخيص.

 

اصنعوا مجزرتكم كما تريدون

ولا تتركوا أي أثر

 

ضمن هكذا مشهد جنائزي أليم، يصبح التمثيل بالضحايا عبارة عن جريمة فعل سياسي، ضمن مجازر موصوفة، لا مجرد شذوذ سلوكي، إذ تُستكمل الجريمة في الوعي بعد أن تُرتكب في الواقع، ويُراد للضحية أن تقتل مرتين، مرة تحت القصف، ومرة تحت خطاب يسوغ قتلها ويسوغ إذلالها ويمحو اسمها من خانة المدنيين. إنما الرد على سؤال “هل كانت ترش الورد؟” التي ساقها بعض المنتمين للميليشيات من موقع ثقافي أو حتى حقوقي أو سياسي، لا يحتاج المزيد من الانفعال، بل إلى تثبيت حق بسيط، حيث الدفاع عن البيت حق، وحيث من يقتحم بالقصف والأسلحة الثقيلة هو المعتدي مهما حاول قلب المعادلة، لأن هؤلاء الأبطال الميامين- ولا أتحدث عمن وراءهم من ساسة أو سواهم- جسدوا أعظم معاني التضحية والبطولة والفداء، وكيف لا أن يصمد حوالي ثلاثمئة شابة وشاب دفاعاً عن حرماتهم وكراماتهم وبيوتهم في مواجهة جيش مدعوم من قبل أكثر من بلد، من بين ذلك بلد مثل تركيا، يتحرك ضد الكرد، لأنه يدرك أن خريطته مؤسسة على حساب جزء من خريطة كردستان.

على هذا النحو، تظهر لنا وللعالم بأسره، هذه الحرب، كما هي. إنها حرب إبادة بلا إعلان، تُدار بعيداً عن الكاميرات، وتُغلف بخطاب قوموي دينوي زائف، وتُحمى بتواطؤ صامت من لدن المحيط ورعاة الأسرة الدولية، ويُطلب من الضحية أن تصمت كي لا تُحرج أحداً. غير أن الدم حين يُستثمر خطابياً ينقلب شهادة، وحين يُراد له أن يُمحى يترك أثراً أعمق، وهكذا تبقى ستيرا علامة على قتل متعمد، وتبقى الشرطية المعتدى عليها علامة على حالة عنف ضمن مجازر بحق أبرياء الكرد. أبرياء سوريا، فيما تبقى الجريمة واحدة، حيث تتغير أدواتها ولا يتغير جوهرها.

أجل، إنه مخطط الإبادة الصامتة حين يُفرض حظر التصوير بوصفه إجراءً مركزياً من أبي محمد الجولاني ومدربيه وأسياده، إذ إن ما جرى من حلق شوارب الدروز، وقتل العلويين، ورمي الأبرياء من الطوابق العليا، لم يتوقف بفعل رادع ديني أو وازع أخلاقي، وإنما تغيّر شكله تحت ضغط الخوف من بو الغرب/ المخادع، الذي منح الإرهابيين رخصة تأديب للكرد ضمن ترتيب معروف الملامح مجهول الإعلان. وكل هذا يدل على أن العنف يُدار، من دون توثيق كاف، وتُعاد هندسة الجريمة كي تمر بلا أثر قابل للتداول، وهكذا لا يُلغى الفعل بل يُخفى، ولا يُكبح القتل بل يُهمش ويلغى دليله، اعتماداً على حسابات خارجية تُقدَّم فيها الطاعة السياسية على أي قيمة إنسانية.

وما تزامن زيارة موفدي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى دمشق في اليوم الثاني من بدء المجازر في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، بحق الكرد، في حييهما، بل في أماكن تواجدهم في حلب وريفها، جريمة قانونية جدية تتصل بمبدأ العناية الواجبة والمسؤولية. إذ إن المضي في زيارة رسمية في ظل مجازر ومقتلة وتهجير جارية، ومن دون إدانة علنية أو اشتراطات حماية للمدنيين، يمكن أن يُفهم باعتباره إسهاماً في تطبيع ومباركة واقع كارثي.  واقع عنف دموي قائم، إذ كان على الموفد اعتبار الانتهاكات الجسيمة عملاً مداناً، بل إن تأجيل الزيارة  كان ضرورة احترازية متسقة مع مبدأ الالتزامات المعلنة بحماية المدنيين، تفادياً لأي تأويل قد يرقى إلى توفير غطاء سياسي أو تقويض مبدأ عدم الإفلات من المساءلة القانونية.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو تشير المعطيات الراهنة إلى تصاعد مقلق في خطاب الكراهية والتحريض والعنف الصادر عن بعض الإعلاميين والمنصّات والقنوات العربية تجاه الكورد والشعب الكوردي. وهو خطاب لا يكتفي بتشويه المطالب المشروعة، بل يسهم في نزع الإنسانية عن شعبٍ لا يطالب إلا بحقه الطبيعي في الحياة، والكرامة الإنسانية، والديمقراطية، والعيش بحرية وسلام، وحقه في تقرير مصيره كما تكفله المواثيق الدولية…

المهندس باسل قس نصر الله هناك الكثير من الكتب الصغيرة مثل “تعلم الفرنسية او اليونانية او … في خمسة أيام .. لذلك عندما أقول “الترامبية” فهي نسبة للرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، أما إذا كنت تعتقد أن الترامبية هي مذهب سياسي يحتاج إلى شروح أكاديمية، فأنت تمنحها أكثر مما تستحق. فالترامبية لا تُدرَّس، بل تُلتقط بالعدوى. هي ليست نظرية في…

أحمد مرعان لماذا لم يتحقق مفهوم الدولة الحقيقي في العالم العربي؟ ليس كدولة ذات حدود وجغرافيا، بل كمفهوم دولة متكامل: كعقد، وكفكرة، وكبوصلة، وكإنتماء؟ على الأرجح بسبب البناء من الأعلى لا من الأسفل كما يُراد، حيث تُبنى المؤسسات قبل بناء المواطن، وتُكتب الدساتير وفق مقاسات ومفاهيم السلطة قبل تكوين الثقة بين الناس والسلطة. اعتماد شكل بناء دولة من غير روح،…

سمكو عمر لعلي   سيناريو حربٍ جديدة يُحضَّر لها بعد الشيخ مقصود والأشرفية أسئلة لا بدّ منها للقيادات الكوردية في روژآفاي كوردستان في أعقاب ما جرى في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، تتعاظم المؤشرات على أنّ المنطقة تقف على عتبة مرحلة أخطر، وأنّ سيناريو حرب جديدة يُرسم في الغرف المظلمة، لا على طاولات السلام. حربٌ قد لا تكون مجرّد مواجهة عسكرية…