مقومات الدولة الحضارية !!

أحمد مرعان

لماذا لم يتحقق مفهوم الدولة الحقيقي في العالم العربي؟ ليس كدولة ذات حدود وجغرافيا، بل كمفهوم دولة متكامل: كعقد، وكفكرة، وكبوصلة، وكإنتماء؟

على الأرجح بسبب البناء من الأعلى لا من الأسفل كما يُراد، حيث تُبنى المؤسسات قبل بناء المواطن، وتُكتب الدساتير وفق مقاسات ومفاهيم السلطة قبل تكوين الثقة بين الناس والسلطة. اعتماد شكل بناء دولة من غير روح، إطار من غير مضمون، اسم رسمي دون إحساس، وغياب العقد الاجتماعي. فبناء الدولة لا يقوم فقط على الطاعة.

اليوم أصبحنا لا نمتلك القدرة على مواجهة رغبات وطلبات أطفالنا وفرض آراء ومعتقدات تربينا عليها، فإن لم تلبِّ له حاجاته لا يمكنك أن تطلب منه صقل شخصيته وفق ما تريد. فبناء الدولة يعتمد على شعور المواطنين بالشراكة، وعلى عقود مستدامة، واحترام الرأي والرأي الآخر. فغياب هذا الشعور يُفهم وكأنهم متلقون، محكومون، مستهدفون بالخطاب الرسمي. ومع غياب هذا العقد أصبحت السلطة تعيش بمعزل عن الشعب، يراها شيئًا بعيدًا وخاليًا من الإنتماء، دون هامش من الحرية.

ومن هنا ظهر الخلط بين الدولة والنظام، وتم التعامل مع الدولة كشخص يزعل ويرضى، ويتغير بحسب المزاج والمصلحة، مع أن الدولة أعمق من أي حكومة، وأوسع من أي مرحلة سياسية. الدولة ثابتة، والنظام يتبدل. وفي حال أي تبدل سياسي تتحول الدولة إلى زلزال، وكأن المؤسساتية غائبة وغير موجودة، ولا تحمي البلد من أي تقلب.

في قلب المشكلة الاقتصاد، لأن الدولة لا تتطور دون اقتصاد قوي، ولا الاقتصاد يتطور دون أمن قانوني وبحث علمي، والأمن القانوني لا يثبت وجوده عندما يتحكم به الأقوياء دون غيرهم، ويتم استغلاله لمصالحهم الخاصة. وبالتالي تزداد الهوة بين طبقات المجتمع، وأي تبدل في الحالة دون إشراك الأقوياء يجعلهم عرضة للمساءلة والضياع. فعندما تُستغل التجارة من قبل المتنفذين تنهار الدولة، ولو بشكل بطيء، إلى نهايات فاشلة. فاعتماد الاستثناءات كقاعدة معتمدة لدى الدولة يميت فكرة الدولة كمنظومة عدل.

والأزمة الأكبر كانت هوية الدولة نفسها: هل هي دولة مواطنة، دولة عشيرة، دولة طائفة، دولة حزب واحد، دولة رسالة؟ فكل دولة حاولت إثبات وجودها دون مقومات، لا يمكن التكهن بمستقبلها، بل تتصرف وفق المرحلة الراهنة، وتحمي نفسها من الزوبعة دون بوصلة واضحة، والخوف من الحرية أصبح هاجسها.

فالدولة غير القادرة على حماية حدودها الجغرافية، وفرض سيادتها بالقانون على أراضيها، ولم تجرؤ على رفض قرارات تُملَى عليها من خارج الحدود، تُنتهك أرضها وعرضها، ولتعويض هذا النقص تلقي جام غضبها في محاربة مواطنيها وتصفيتهم بحجج واهية، تنم عن تقصيرها في أداء واجبها كدولة ذات سيادة وقانون مستمد من رؤى مواطنيها. فتلك لا تستحق تسميتها دولة، إنما إمارة مؤقتة تنهار في أول امتحان.

الدولة الحديثة مبنية على حق السؤال والمساءلة، وفقدانهما يولد خوفًا متلازمًا من النقد ومن الصوت المختلف، مع أن الدولة القوية لا ترتاب من النقد لأنها واثقة من نفسها وما تقدمه لخدمة مواطنيها.

وأخيرًا، غياب الخيال السياسي يقوض العمق في مشروع نجاح الدولة، فتتحول المفاهيم عند الغالبية إلى مجرد جهة خدمات، لا فكرة مستقبل وثوابت يمكن الاعتماد عليها في الاستقرار. فالخوف من المجهول عنوان عريض يدغدغ مشاعر المواطن، ويفقده الثقة في التطور نحو مستقبل آمن.

فالحاجة تستدعي حكومة عاقلة، ومواطنًا واعيًا، وقانونًا واحدًا، واقتصادًا مفتوحًا، وهوية واضحة لا تخجل من التنوع، دولة تعطي قبل المطالبة بحقوقها، وتأخذ الواجب بلا تهديد، حتى يشعر الجميع بالإنتماء والعطاء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو تشير المعطيات الراهنة إلى تصاعد مقلق في خطاب الكراهية والتحريض والعنف الصادر عن بعض الإعلاميين والمنصّات والقنوات العربية تجاه الكورد والشعب الكوردي. وهو خطاب لا يكتفي بتشويه المطالب المشروعة، بل يسهم في نزع الإنسانية عن شعبٍ لا يطالب إلا بحقه الطبيعي في الحياة، والكرامة الإنسانية، والديمقراطية، والعيش بحرية وسلام، وحقه في تقرير مصيره كما تكفله المواثيق الدولية…

المهندس باسل قس نصر الله هناك الكثير من الكتب الصغيرة مثل “تعلم الفرنسية او اليونانية او … في خمسة أيام .. لذلك عندما أقول “الترامبية” فهي نسبة للرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، أما إذا كنت تعتقد أن الترامبية هي مذهب سياسي يحتاج إلى شروح أكاديمية، فأنت تمنحها أكثر مما تستحق. فالترامبية لا تُدرَّس، بل تُلتقط بالعدوى. هي ليست نظرية في…

إبراهيم اليوسف   تتخذ الجريمة بعداً أكثر وحشية عندما تتحول الضحية إلى أداة خطاب، وحين يُدفع الجسد المعذّب ليؤدي دوراً إضافياً بعد قتله، إذ لا يعود القتل نهاية الجريمة- لاسيما المنظمة تحت شعار وطني أو ديني- بل بدايتها، ولا يتوقف العنف عند إزهاق الروح بل يمتد إلى الصورة/ المشهد، والقول، والتأويل، وهكذا يُستثمر الدم في بازار “التمرجل”، وتُقاس الفاجعة بمدى…

سمكو عمر لعلي   سيناريو حربٍ جديدة يُحضَّر لها بعد الشيخ مقصود والأشرفية أسئلة لا بدّ منها للقيادات الكوردية في روژآفاي كوردستان في أعقاب ما جرى في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، تتعاظم المؤشرات على أنّ المنطقة تقف على عتبة مرحلة أخطر، وأنّ سيناريو حرب جديدة يُرسم في الغرف المظلمة، لا على طاولات السلام. حربٌ قد لا تكون مجرّد مواجهة عسكرية…