أحمد مرعان
لماذا لم يتحقق مفهوم الدولة الحقيقي في العالم العربي؟ ليس كدولة ذات حدود وجغرافيا، بل كمفهوم دولة متكامل: كعقد، وكفكرة، وكبوصلة، وكإنتماء؟
على الأرجح بسبب البناء من الأعلى لا من الأسفل كما يُراد، حيث تُبنى المؤسسات قبل بناء المواطن، وتُكتب الدساتير وفق مقاسات ومفاهيم السلطة قبل تكوين الثقة بين الناس والسلطة. اعتماد شكل بناء دولة من غير روح، إطار من غير مضمون، اسم رسمي دون إحساس، وغياب العقد الاجتماعي. فبناء الدولة لا يقوم فقط على الطاعة.
اليوم أصبحنا لا نمتلك القدرة على مواجهة رغبات وطلبات أطفالنا وفرض آراء ومعتقدات تربينا عليها، فإن لم تلبِّ له حاجاته لا يمكنك أن تطلب منه صقل شخصيته وفق ما تريد. فبناء الدولة يعتمد على شعور المواطنين بالشراكة، وعلى عقود مستدامة، واحترام الرأي والرأي الآخر. فغياب هذا الشعور يُفهم وكأنهم متلقون، محكومون، مستهدفون بالخطاب الرسمي. ومع غياب هذا العقد أصبحت السلطة تعيش بمعزل عن الشعب، يراها شيئًا بعيدًا وخاليًا من الإنتماء، دون هامش من الحرية.
ومن هنا ظهر الخلط بين الدولة والنظام، وتم التعامل مع الدولة كشخص يزعل ويرضى، ويتغير بحسب المزاج والمصلحة، مع أن الدولة أعمق من أي حكومة، وأوسع من أي مرحلة سياسية. الدولة ثابتة، والنظام يتبدل. وفي حال أي تبدل سياسي تتحول الدولة إلى زلزال، وكأن المؤسساتية غائبة وغير موجودة، ولا تحمي البلد من أي تقلب.
في قلب المشكلة الاقتصاد، لأن الدولة لا تتطور دون اقتصاد قوي، ولا الاقتصاد يتطور دون أمن قانوني وبحث علمي، والأمن القانوني لا يثبت وجوده عندما يتحكم به الأقوياء دون غيرهم، ويتم استغلاله لمصالحهم الخاصة. وبالتالي تزداد الهوة بين طبقات المجتمع، وأي تبدل في الحالة دون إشراك الأقوياء يجعلهم عرضة للمساءلة والضياع. فعندما تُستغل التجارة من قبل المتنفذين تنهار الدولة، ولو بشكل بطيء، إلى نهايات فاشلة. فاعتماد الاستثناءات كقاعدة معتمدة لدى الدولة يميت فكرة الدولة كمنظومة عدل.
والأزمة الأكبر كانت هوية الدولة نفسها: هل هي دولة مواطنة، دولة عشيرة، دولة طائفة، دولة حزب واحد، دولة رسالة؟ فكل دولة حاولت إثبات وجودها دون مقومات، لا يمكن التكهن بمستقبلها، بل تتصرف وفق المرحلة الراهنة، وتحمي نفسها من الزوبعة دون بوصلة واضحة، والخوف من الحرية أصبح هاجسها.
فالدولة غير القادرة على حماية حدودها الجغرافية، وفرض سيادتها بالقانون على أراضيها، ولم تجرؤ على رفض قرارات تُملَى عليها من خارج الحدود، تُنتهك أرضها وعرضها، ولتعويض هذا النقص تلقي جام غضبها في محاربة مواطنيها وتصفيتهم بحجج واهية، تنم عن تقصيرها في أداء واجبها كدولة ذات سيادة وقانون مستمد من رؤى مواطنيها. فتلك لا تستحق تسميتها دولة، إنما إمارة مؤقتة تنهار في أول امتحان.
الدولة الحديثة مبنية على حق السؤال والمساءلة، وفقدانهما يولد خوفًا متلازمًا من النقد ومن الصوت المختلف، مع أن الدولة القوية لا ترتاب من النقد لأنها واثقة من نفسها وما تقدمه لخدمة مواطنيها.
وأخيرًا، غياب الخيال السياسي يقوض العمق في مشروع نجاح الدولة، فتتحول المفاهيم عند الغالبية إلى مجرد جهة خدمات، لا فكرة مستقبل وثوابت يمكن الاعتماد عليها في الاستقرار. فالخوف من المجهول عنوان عريض يدغدغ مشاعر المواطن، ويفقده الثقة في التطور نحو مستقبل آمن.
فالحاجة تستدعي حكومة عاقلة، ومواطنًا واعيًا، وقانونًا واحدًا، واقتصادًا مفتوحًا، وهوية واضحة لا تخجل من التنوع، دولة تعطي قبل المطالبة بحقوقها، وتأخذ الواجب بلا تهديد، حتى يشعر الجميع بالإنتماء والعطاء.