كلٌّ يعمل بأصلهِ – الزعيم مسعود البرزاني مثالاً –

غاندي برزنجي

شهدتْ الأيامُ القليلة الماضية أحداثاً دمويّة مؤلمة ، حيث شنّ الجيش العربي السوري التابع للحكومة السوريّة المؤقتة هجوماً بربريّاً وبالأسلحة الثقيلة والمتوسطة على حيّيْ الشيخ مقصود والأشرفيّة ، ذوي الأغلبيّة الكُرديّة ، نتج عنها تدمير قسم كبير من الحيّين ، بالإضافة إلى وقوع ضحايا بين المدنيين ، ونزوح جزء كبير من سكان الحيّين .

وما إنْ توقّف القتال ، وخرجت قوات الأمن الداخلي الكُرديّة من الحيّين ، حتى بدأ مقاتلو الجيش السوري بارتكاب جرائم فظيعة يُندى لها الجبين ، فقاموا بقتل العديد من المدنيين ، بالإضافة إلى رمي جثة مُقاتلة كُرديّة من أحد الطوابق في أحد الأبنية ، وإحراق جثث أخرى ، ناهيك عن اعتقال المئات من الشباب واقتيادهم إلى أماكن مجهولة ، الأمر الذي خلق حالة ذهول وحزن ممزوج بالألم والغضب الشعبي لدى الشعب الكُردي في جميع أجزاء كُردستان .

ووسط هذا المشهد المريع ، وما رافقهُ من صور حزينة حُفِرتْ في ذاكرة الكُردي ، أصدرَ الزعيمُ الكُردي مسعود البرزاني بياناً دعا فيه إلى وضع حدّ لبعض الحملات المشبوهة وغير المشروعة ضد العرب السوريين المقيمين في إقليم كردستان ، والتي وصفها بأنها غير لائقة ، وفي غير موضعها المناسب ، ولا تنسجم بأيّ شكلٍ من الأشكال مع مبادئ وقيم شعب كردستان .

إنّ هذا الموقف ، وفي هذه الظروف التي يتعرض لها الكُرد لجرائم بشعة من قبل فصائل تابعة للجيش العربي السوري ، إنّ دلّ على شيء فإنّهُ يدلّ على سموّ خُلق البرزاني ، والذي هو قائد كُردي ومثال حيّ عن عظمة الشعب الكُردي ورفعة أخلاقه .

ولأنّني أتحدثُ عن البرزاني كنموذج رفض مقابلة الإساءة بمثلها ، فلا بدّ لي أن أُبيّن وأُوضح للقارئ الكريم أنّ قصة سموّ الخلق مع هذا القائد لم تبدأ منذ اليوم .

فحينَ بدأتْ محاكمة الرئيس العراقي السابق صدّام حسين ، رفض البرزاني حضور جلسات محاكمتهِ ، وحين سُئِل : هل كنتَ شامتاً بصدام ؟ قال : لا ، لأنّ الشماتة ليست من شيم الرجال ، على الرغم أنّ صدّام حسين قد قتلَ الآلاف من عشيرة البرزاني وحدها ، ناهيك عن عشرات الآلاف من الكُرد في عمليات الأنفال السيئة الصيت ، كما استخدم صدّام السلاح الكيميائي ضد الكُرد في مدينة حلبجة ، فاستشهدَ أكثر من خمسة آلاف كردي ، بينهم نساء وأطفال ، في يوم واحد .

وحين سقطَ نظام البعث البائد في العراق ، اِستقبلَ الزعيم مسعود البرزاني الآلاف من عناصر الجيش العراقي في مُعسكرات لحمايتهم من حالات الانتقام التي قد تحدث نتيجة مشاركتهم في عمليات قتل الكُرد ، وقدّم لهم الطعام والشراب ، ثم أعادهم إلى مناطقهم .

يقولُ المثل الشعبيّ : فلان يعمل بأصله ، أي أنّ فلاناً يتعامل مع غيره وفق ما تربّى عليه منذ صغره ، ويعني أيضاً أنّ معدنه نقيّ ؛ لأنّهُ عاش في مجتمع سليم ومعافى .

وليس البرزاني مثالاً وحيداً في تاريخ الكُرد وحاضره ، بل هناك آلاف الأمثلة التي تعبّر عن نقاء قلب الكُردي ، ورحمتهِ ، ونزوعهِ نحو المحبة والسلام ، في جغرافيا تحيط بها الوحوش من كلّ حدبٍ وصوب .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…